الغد-فرح عطيات
حدود الكوكب، لم تعد مفهوماً نظرياً تتداوله الدراسات البيئية فحسب، بل مؤشراً يقترب من الحياة اليومية للدول الأكثر هشاشة في مواردها الطبيعية، وفي مقدمتها الأردن.
فالنقاش العالمي المتجدد حول تجاوز عدد سكان العالم "القدرة الاستيعابية" للأرض، يعيد طرح أسئلة ملحّة تتعلق بقدرة الأنظمة البيئية على الاستمرار، ومدى إمكانيات الدول محدودة الموارد، التكيف مع ضغوط تتسع بوتيرة غير مسبوقة، من شح للمياه إلى تراجع للتنوع الحيوي، وتآكل للأراضي المنتجة.
دراسة حديثة أعادت تسليط الضوء على مفهوم "القدرة الاستيعابية"، بوصفه الحد الذي تستطيع البيئة ضمنه توفير الموارد وتجديدها، بما يضمن بقاء الكائنات الحية على المدى الطويل. وبينما تمكن الإنسان، عبر التكنولوجيا والاعتماد على الوقود الأحفوري، من تأجيل الاصطدام بهذه الحدود الطبيعية، فإن دولاً مثل الأردن، تبدو أقرب من غيرها لاختبار تلك الحدود بصورة مباشرة، في ظل تزايد الطلب على المياه والطاقة والغذاء مقابل موارد آخذة بالتراجع.
الواقع الأردني، يكشف ملامح هذا الاختبار بوضوح؛ فالمملكة التي تعد من أفقر دول العالم مائياً، تواجه ضغوطاً مركبة، ترتبط بالنمو السكاني والتوسع العمراني والتغير المناخي، في ظل تراجع الأنظمة البيئية الطبيعية، وفق خبراء بيئيين.
وبحسب الخبراء، فإن انعكاسات ذلك لم تعد تقتصر على الموارد فقط، بل امتدت إلى الموائل الطبيعية والأنواع المحلية التي تشهد تراجعاً واختفاءً متواصلاً، بما يثير مخاوف تتعلق بالأمن البيئي والغذائي معاً.
تحذيرات الخبراء هنا، تتقاطع مع ما تطرحه دراسة عالمية، خصوصاً بشأن علاقة استنزاف الموارد بقدرة الدول على الاستمرار ضمن حدودها البيئية الآمنة.
فالأردن، بحسبهم، يلامس بالفعل حدود قدرته البيئية على التحمل، ليس فقط نتيجة شح الموارد الداخلية، وإنما أيضاً لاعتماده المتزايد على الخارج في توفير الغذاء والطاقة، ما يجعله أكثر عرضة لتقلبات الأزمات البيئية العالمية، وتراجع الإنتاج في الدول المصدّرة.
قدرة الأرض الاستيعابية
ومن وجهة نظر المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد، فإن تحذيرات عالمية ظهرت بشأن تجاوز عدد سكان العالم "القدرة الاستيعابية" لكوكب الأرض. عليه، فإن الأردن شأنه كغيره من دول العالم، وخصوصاً في ظل التحديات المتعددة، كونه من أكثر الدول تأثراً بتحديات الضغط السكاني، والموارد الطبيعية المحدودة.
ولفت إلى أن المملكة، التي تُعد من أفقر دول العالم مائياً، تواجه حاليا، واقعاً بيئياً وتنموياً "معقداً" نتيجة النمو السكاني المتسارع، والتوسع العمراني، وارتفاع الطلب على المياه والطاقة والغذاء.
ويُعد الأردن نموذجاً واضحاً للدول التي بدأت تلامس فعلياً حدود قدرتها البيئية على "التحمل"، في ظل التراجع الحاد لحصة الفرد من المياه إلى مستويات أدنى بكثير من خط الفقر المائي العالمي، واستمرار الضغوط على الأراضي الزراعية والموائل الطبيعية، وفقه.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ أضاف عيد إلى ذلك، أن الأنظمة البيئية، بخاصة الأراضي الرطبة، والغابات والكثبان الرملية، تشهد "تدهوراً متسارعاً"، انعكس مباشرة على التنوع الحيوي. وتجسد ذلك، باختفاء أنواع محلية، وتراجع أعداد بعض أنواع أخرى بصورة "مقلقة" عاماً بعد عام.
كما لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فوفق تأكيداته، زادت التغيرات المناخية، وارتفعت درجات الحرارة، وتكررت موجات الجفاف، من "حدة" هذه التحديات، ما "يهدد" استدامة الموارد الطبيعية، ويضع الأمن البيئي والغذائي أمام "اختبارات غير مسبوقة".
ومن أجل مواجهة هذه التحديات، اقترح عيد تبني حلول "واقعية"، تضع حماية التنوع الحيوي واستعادة الأنظمة البيئية في صميم السياسات التنموية، باعتبارها "خط الدفاع الأول" في مواجهة التغير المناخي وشح الموارد.
ودعا لإيلاء الأهمية إلى التوسع بمشاريع استعادة الموائل الطبيعية المتدهورة، وحماية الغابات والأراضي الرطبة والمراعي، والحد من التوسع العمراني العشوائي، على حساب المناطق البيئية الحساسة.
وحث على تعزيز الإدارة المستدامة للمياه عبر حصاد مياه الأمطار، وإعادة استخدام المياه المعالجة بالزراعة.
ومن بين المقترحات التي قدمها كذلك، دعم الزراعة المستدامة قليلة الاستهلاك للمياه، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتعزيز برامج الرصد البيئي لحماية الأنواع المهددة بالانقراض.
ويُعد إشراك المجتمعات المحلية ورفع الوعي البيئي، بخاصة لدى الشباب، ركيزة لبناء نموذج تنموي أكثر توازناً، يحافظ على الموارد الطبيعية، ويضمن استدامتها للأجيال القادمة، في وقت باتت فيه صحة الأنظمة البيئية، مرتبطة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمن الوطني، بحسبه.
استيراد المنتجات الغذائية
وبرأي مدير التنوع الحيوي وبنك البذور الوطني د. خالد أبو ليلى، فإن القدرة الاستيعابية في الأردن ستتأثر بلا شك، لكن ليس للأسباب ذاتها في المناطق الأخرى من العالم. مبينا أن الأردن حالياً لا يعتمد على المصادر والموارد الداخلية بتوفير غذاء سكانه، بل على استيراد المنتجات الغذائية.
وبحسبه، يكمن التأثر هنا، فنضوب مصادر الإنتاج للموارد الغذائية في الدول التي يستورد منها الأردن منتجاته، سينعكس عليه سلباً.
وقدم شرحاً أكثر تفصيلاً، يفضي إلى أن الأنواع التي ستنقرض سواء في الأردن أو خارجه، بخاصة إذا كانت من "الفيصلية" في الإنتاج الغذائي، أو الدوائي، أو ما شابه ذلك، أو إذا كانت جزءاً من "سلسلة" في الهرم الغذائي، أو النظام البيئي الذي يعتمد عليها وجود أو بقاء هذه الأنواع.
وقد يكون التأثير كذلك، وفق أبو ليلى، في حال حدوث ما يسمى بالانقراض لبعض الأنواع الخاصة بالأغذية وزراعة المحاصيل في الأردن التي يستخدمها المنتجون في برامج التحسين الوراثي، لكنه لا يعتبر كذلك "تأثيراً مباشراً".
وحول التأثر المباشر على القدرة الاستيعابية، فأجمله بـ"شح المياه" الذي يعاني منه الأردن، ولا يمكن استيراده من الخارج، مضيفا أن الأردن يجب أن يعتمد أكثر على الاقتصاد الدائري، أو على اقتصاد إعادة الاستخدام أو التدوير، والاتجاه بسرعة نحو تطبيقه، باعتباره حلا في مواجهة ذلك التحدي المتعلق بالقدرة الاستيعابية.
وفي الدراسة ذاتها، يصف علماء البيئة قدرة البيئة على استدامة أعداد نوع معين من الكائنات الحية بـ"القدرة الاستيعابية"، وهي تقدير لعدد الأفراد الذين يمكنهم البقاء على قيد الحياة، بناء على الموارد المتاحة ومعدل تجددها.
فيما يتميز الجنس البشري، الإنسان العاقل، بقدرته الفائقة على تجاوز حدود هذه القدرة الاستيعابية، بفضل ميله لإيجاد حلول تكنولوجية، للتغلب على القيود الطبيعية لتجدد الموارد، بخاصة عبر استغلال الوقود الأحفوري.
كما من المثير للاهتمام أن مصطلح "القدرة الاستيعابية" يعود أصله، إلى صناعة الشحن في أواخر القرن الـ19، عندما بدأت السفن التي تعمل بالفحم، تحل محل السفن التي تعمل بالرياح. واستُخدم المصطلح لأول مرة، لحساب كمية البضائع التي يمكن أن تحملها إحدى السفن الجديدة، دون التأثير على الفحم والماء اللازمين لتشغيلها، أو على الطاقم الضروري لتشغيلها.