أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    22-Apr-2026

الأمن الغذائي.. أي نموذج زراعي نحتاج؟

 الغد-عبدالله الربيحات

في حين ما يزال الجدل قائما حول النموذج الزراعي الأفضل الذي يحتاجه الأردن لتحقيق الاكتفاء الذاتي، والحفاظ على الأمن الغذائي، يميل خبراء زراعيون إلى المملكة تحتاج إلى نموذج إدارة رشيدة للموارد، يتمتع بإنتاج متنوع مرتبط بالسوق، بالإضافة إلى قيمة مضافة عبر التصنيع، وعدالة في التسعير. 
 
 
وأضاف هؤلاء الخبراء لـ"الغد"، أن معيقات هذا النموذج، تكمن في ضعف التنسيق المؤسسي، وخلل منظومة التسعير، ومحدودية التمويل، وغياب الرقابة الفعالة، مبينين أنه إذا لم نواجه هذه المعيقات بقرارات جريئة، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الأزمات، بينما الفرصة قائمة لتحويل الزراعة إلى قطاع منتج ومستدام يخدم الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.
بين الخيار والضرورة
في السياق، أكد الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن بناء نموذج زراعي أكثر كفاءة واستدامة لم يعد خيارًا بل ضرورة، لافتا إلى أن هذا النموذج يجب أن يقوم على إدارة الموارد لا استنزافها، وعلى تعظيم القيمة المضافة لا مجرد زيادة الكميات، مبينا أننا بحاجة إلى زراعة ذكية تعرف كيف توظف كل متر مكعب من الماء، وكل كيلوواط من الطاقة، وتحوّل الإنتاج إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
وأضاف الزعبي أن أولى مواصفات هذا النموذج هي وضع المياه والطاقة في قلب المعادلة، إذ لا يمكن أن نستمر في أنماط الري التقليدية أو الاعتماد على مصادر طاقة مكلفة، بينما لدينا إمكانيات للتحول إلى تقنيات حديثة كالري بالتنقيط والطاقة الشمسية. 
وزاد: "يجب أن يكون الإنتاج الزراعي متنوعًا ومرتبطًا بحاجة السوق، لا أن يظل أسير محاصيل تقليدية تؤدي إلى فائض غير قابل للتسويق وانهيار الأسعار". 
وتابع: "لا بد من تعزيز التصنيع الغذائي وربط المزارع بسلاسل القيمة، لأن القيمة الحقيقية لا تكمن في الكميات الخام بل في تحويلها إلى منتجات مصنّعة قابلة للتخزين والتصدير." 
وشدد الزعبي على أنه لا يمكن الحديث عن نموذج عادل دون إصلاح منظومة التسعير في أسواق الجملة، بحيث يحصل المزارع على سعر يغطي تكلفته ويشجعه على الاستمرار، بدل أن تذهب الأرباح إلى الوسطاء.
وأقر بأن هذا النموذج يواجه معيقات واضحة، أولها غياب التنسيق المؤسسي بين وزارة الزراعة والجهات المسؤولة عن المياه والطاقة والتجارة، ما يجعل السياسات متضاربة ويضعف قدرة المزارع على التخطيط. 
وأردف بالقول إن ثاني هذه المعيقات هو نظام التسعير الحالي الذي يترك المزارع تحت رحمة الوسطاء في أسواق الجملة، فلا هو قادر على تغطية تكلفته ولا المستهلك يحصل على سعر عادل. 
ومن المعيقات أيضا، بحسبه، ضعف التمويل الزراعي، إذ ما تزال القروض محدودة ومشروطة ولا تراعي دورة الإنتاج الطويلة أو المخاطر المناخية، ما يترك المزارع مكشوفًا أمام الأزمات، كما أن غياب الرقابة الفعالة على الأسواق تلعب دورا مهما في إعاقة العمليات، حيث يستمر التلاعب بالأسعار دون تدخل حقيقي يحمي المنتج والمستهلك.
وأضاف الزعبي أن الثقافة الزراعية التقليدية لدى كثير من المزارعين تشكل عائقًا أمام تبني التكنولوجيا الحديثة، فحتى عندما تتوفر الحلول، يظل الحاجز النفسي والمالي قائمًا، خاصة أن أكثر من 80 % من المزارعين يملكون مساحات صغيرة لا تسمح لهم بالاستثمار في تقنيات مكلفة، معتبرا أنه في هذا الأمر، تحديدا، يظهر دور الدولة في توفير الحوافز والدعم الفني والمالي.
مرونة تشغيلية
من جهته، قال وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري إنه في ظل التحسن الملموس في أداء القطاع الزراعي في الأردن وارتفاع مساهمته في النمو الاقتصادي، يتضح أن ما تحقق يعكس مرونة تشغيلية وقدرة على التكيّف مع الضغوط أكثر مما يعكس تحولًا بنيويًا مستدامًا. 
وأضاف المصري أن التحسن الحالي، رغم أهميته، ما يزال محكومًا بقيود هيكلية عميقة، أبرزها محدودية الموارد المائية، وتزايد تأثيرات التغير المناخي، وارتفاع كلف الإنتاج والنقل، فضلًا عن اختلالات دورية في توازنات العرض والطلب، تتجلى في حالات فائض إنتاج غير قابل للتسويق أو في موجات ارتفاع سعري مفاجئة تُثقل كاهل المستهلك. 
وزاد: "كما أن استمرار هيمنة نمط الإنتاج الأولي دون التوسع في سلاسل القيمة والتصنيع الغذائي يحدّ من القدرة على تحقيق استقرار سعري مستدام وتعزيز التنافسية، سواء في السوق المحلية أو في الأسواق التصديرية."
وبين المصري أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تموضع إستراتيجي للقطاع، بالانتقال من منطق إدارة الإنتاج إلى إدارة منظومة زراعية–غذائية متكاملة، وهذه المنظومة ينبغي أن تُبنى على تنظيم دقيق للإنتاج النباتي والحيواني وفق معادلات العرض والطلب، بما يضمن توجيه الإنتاج لخدمة الاستهلاك المحلي، وتعظيم فرص التصدير، وتلبية احتياجات الصناعات الغذائية، وصولًا إلى تحقيق توازن سعري مستقر وعادل بين المنتج والمستهلك، والحد من الاختناقات التسويقية.
وزاد: "يستدعي هذا التحول إعادة هيكلة حوكمة مؤسسات القطاع الخاص الزراعي، عبر تمكين الاتحاد العام للمزارعين من أداء دور تنظيمي فعّال، بالتوازي مع إنشاء كيان مؤسسي متخصص—غرفة زراعة—يتولى تنظيم السوق والإشراف على تسويق المنتجات الزراعية الطازجة والمصنّعة." 
كما تبرز، في هذا السياق، وفقا للمصري، أهمية تسريع وتيرة تحديث البنية التحتية والممارسات الزراعية من خلال إدماج التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الزراعة الدقيقة، والتحول الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بهدف خفض الكلف التشغيلية، وتعظيم كفاءة استخدام الموارد المائية، وتهيئة بيئة جاذبة للكفاءات الوطنية للمشاركة في تطوير القطاع.
وقال: "من هذا المنطلق، فإن الاستدامة لم تعد تُقاس بزيادة حجم الإنتاج فحسب، بل بقدرة المنظومة الزراعية– الغذائية على تحقيق توازن ديناميكي بين الكفاءة الاقتصادية، واستقرار الأسعار، وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والدولية، ضمن إطار مؤسسي وتقني متكامل."
تعظيم القيمة
بدوره، رأى الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي أن النموذج الزراعي المطلوب يرتكز على الانتقال من منطق الاستهلاك المكثّف للموارد إلى إدارتها بكفاءة، عبر ترشيد استخدام المياه، وتحسين خصوبة التربة، والاعتماد على التقنيات الحديثة لرفع الإنتاجية دون استنزاف البيئة. 
وتابع العسوفي: "كما يقوم النموذج على تعظيم القيمة المضافة من خلال تحسين الجودة، والتصنيع الزراعي، وربط الإنتاج باحتياجات السوق بدل التركيز على زيادة الكميات فقط."
وأضاف أن هذا النموذج يشمل أيضًا إعادة تنظيم سلاسل التوريد وأسواق الجملة، بحيث تكون آليات التسعير أكثر شفافية وعدالة، وتضمن توزيعًا منصفًا للعوائد بين المزارعين والتجار، مبينا أنه ينظر إلى هذا الإصلاح كخطوة أساسية لحماية المنتج من التقلبات الحادة، وتعزيز استقرار السوق وتحفيز الاستثمار في القطاع.
وقال العسوفي إن تطبيق هذا النموذج يواجه عدة معيقات، أبرزها ضعف البنية التحتية، وغياب البيانات الدقيقة، ومحدودية التمويل الموجه للتقنيات الحديثة، إضافة إلى مقاومة بعض الأطراف المستفيدة من الوضع القائم لأي تغيير في آليات التسعير أو التنظيم.
وشدد العسوفي على أن نقص الإرشاد الزراعي والتدريب، وتشتت الحيازات الزراعية، وتحديات التغير المناخي، كلها عوامل تعيق التحول نحو نموذج أكثر استدامة، لذلك، يتطلب الأمر شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمزارعين، إلى جانب سياسات واضحة ودعم مستمر لضمان نجاح هذا التحول.