أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    28-Jun-2026

التصحر والجفاف.. أخطار تتحرك سريعا*د.ابراهيم بدران

 الغد

كان يوم الجمعة 17 حزيران هو اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف. وجاء لهذا العام تحت شعار « للأرض قيمة فعلية استثمروا فيها». وقد مر اليوم هذا دون اهتمام مناسب نظراً لانشغال المنطقة بل والعالم بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما أحدثته من زعزعة للاستقرار، وما تعرضت له مرافق حيوية من دمار، وما تركته من آثار على اقتصادات المنطقة والعالم بما في ذلك ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والأسمدة والنقل والتأمين وغير ذلك الكثير. 
 
 
التصحر كما هو معروف علميا يعني «التغير في خصوبة الأرض وتناقصها حتى تتحول إلى أرض قاحلة»، وليس بالضرورة أن تكون مغطاة بالرمال كما هي الصورة التقليدية للصحراء. وتضع الأمم المتحدة خطاً لتعريف «الجفاف يتمثل في تراجع سقوط الأمطار حتى يكون معدلها السنوي اقل من 250 ملم». وبهذا نلاحظ أن مساحة كبيرة من بلادنا وكذلك معظم الأقطار العربية فيها مساحات شاسعة تقل معدلات الأمطار السنوية فيها عن هذا الرقم. ولا شك أن أمطار العام الحالي كانت بالنسبة لنا استثناء. وعلى الرغم من أن الجفاف والتصحر تحولا مع التغيرات المناخية إلى ظاهرة عالمية تكاد تشمل معظم دول العالم ولكن بدرجات مختلفة، إلاّ أن الأمر بالنسبة لنا يمثل قضية وطنية متعددة الأبعاد بكل معنى الكلمة. فتأثيرات التصحر والجفاف تحمل معها نقص المياه وضآلة الأمطار، وقحالة التربة، وارتفاع درجات الحرارة وانكماش المناطق الخضراء، وتقلص مساحات الغابات، في إطار مناخي متسارع، إضافة إلى مشكلات صحية تتضمن ظهور أمراض جديدة لدى الإنسان والحيوان والنبات، واختفاء أنواع عديدة من الحيوانات والنباتات. هذا إضافة إلى نزوح السكان ليتركزوا في المدن، وانحسار الأراضي الزراعية  وتراجع الإعمار خارج المدن، وانخفاض إنتاجية الأفراد، وتباطؤ النمو الاقتصادي. وفوق كل ذلك اتساع مساحة الفقر وهجرة العقول والمهارات، وهشاشة الأمن الغذائي والأمن المائي.
 ورغم ان المؤتمرات الدولية، ونحن مشاركون فيها، التي تنعقد سنوياً لمناقشة هذا الموضوع ويدور النقاش فيها حول الاتفاق على برامج عمل من شأنها أن تبطئ التغيرات المناخية أو حتى توقفها، ووسائل تمويلها، إلاّ أن النتائج الدولية ما تزال متأرجحة ضئيلة وبطيئة للغاية. الأمر الذي يستدعي أن تأخذ الدولة الوطنية جزءا كبيرا من المهمة قبل استفحال الأضرار ووصولها إلى نقطة اللاعودة..
وهنا يمكن أن نشير إلى عدد من المسائل على النحو التالي:
أولاً: ينبغي الإدراك العميق المسؤول لدى صانعي الخطط ولدى مؤسسات الدولة الرسمية والأهلية أن لا حلول جاهزة يمكن استيرادها من الخارج، وأن الاعتماد على التمويل الدولي لن يكون كافيا ولن يوصل إلى حلول فاعلة تأتي في وقتها.
ثانياً: إن تخضير الأراضي على مختلف المستويات ابتداء من الحدائق الصغيرة مرورا بالمباني الخضراء وانتهاء بإنشاء غابات جديدة يمثل المدخل الرئيسي لمواجهة التصحر. ونحن هنا في وطننا العزيز بحاجة إلى تكثيف الجهود في هذا الاتجاه، وتحويل غرس الأشجار من طرف كل شخص ومؤسسة وشركة جزء من ثقافة المجتمع وممارساته المتواصلة. وعلى المؤسسات التعليمية بمستوياتها المختلفة، والمنظمات الشبابية، ومنظمات المجتمع المدني أن تشارك بقوة وتواصل في هذه  النشاطات، لا بشكل رمزي فقط. 
ثالثاً: إن هناك العديد من الدول في آسيا وأفريقيا نجحت في تخضير المناطق الجافة بل الصحراوية بوسائل تكنولوجية بسيطة، وتكاليف مالية متواضعة، وبالاعتماد على مساهمة المجتمعات المحلية. نذكر هنا الصين والهند والمغرب ودول وسط أفريقيا التي تعمل في بناء الجدار الأخضر العظيم من الأطلسي وحتى بحر العرب في جيبوتي بطول 8000كم بغية استعادة بليون دونم من الأراضي المتدهورة بحلول عام 2030. وكذلك تجارب الإمارات والسعودية ومصر وإسبانيا وغيرها. وبالتالي لا بد من تنظيم حملات سنوية مركزة لهذه الغاية في بلادنا حتى يمكن إحداث تغيير حقيقي. 
رابعاً: المياه وهي عنصر الحياة للإنسان والنبات والحيوان. وهذا يستدعي التأكيد مرة بعد مرة على ضرورة وأولوية إغناء وتعزيز المصادر المائية في الأردن بشتى الوسائل والتكنولوجيات والمشاريع مهما صغر حجمها أو تواضعت نتائجها، وعدم الاستهانة بالمشاريع الصغيرة، وبالتالي عدم الاكتفاء بالمشاريع الكبرى مثل الناقل الوطني، على أهميته المطلقة، بكلفته العالمية وصعوبة تكراره خلال فترات زمنية قصيرة. 
خامساً: إن التوسع باستخدام الطاقة المتجددة عموماً والطاقة الشمسية بشكل خاص يفتح الباب لفرص التوسع في التخضير بالإفادة من المساحات المظللة بالألواح الشمسية وهذا يساعد على تحويل محطة توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية إلى منطقة خضراء من شأنها التخفيف من حدة الحرارة والجفاف سادساً: إن مزيداً من البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في هذا المجال غدا ضرورة وطنية لتمكين الأردن من ترسيخ توازنه البيئي والمناخي لاستمرار إعمار المساحات الشاسعة بل النمو والبقاء. وهنا تقع المسؤولية المشتركة على الجامعات وعلى وزارات الزراعة والمياه والبيئة والصحة والمركز الجغرافي بالعمل الحثيث على أحكام التشبيك والعمل المشترك لاستنباط حلول وسلالات وتكنولوجيات جديدة تلائم المتطلبات الأردنية.
سابعاً: الالتزام الوطني المؤسسي بمبدأ «حيادية تدهور الأراضي» الذي أقرته الأمم المتحدة، والذي ينص على أن أي تدهور في مساحة من الأرض(أو إخراجها من المساحات الخضراء) لأي سبب يجب أن يعوض باستصلاح مساحة تساويها أو أكبر منها من الأرض وبنفس الجودة أو أفضل حتى يوضع  بذلك حد لتدهور الأراضي مهما كانت الأسباب.
وأخيراً فإن اليوم العالمي لمحاربة التصحر والجفاف يجب أن يكون نقطة انطلاق لخطط وطنية وخطط للمحافظات والبلديات والمدارس والجامعات والمؤسسات ليشمل الموضوع كافة القرى والأرياف. إن التمويل الوطني وبحدود 100 مليون دينار سنويا يساهم فيها المواطنون جزئيا والشركات والبنوك هو الطريق الوحيد والصحيح للمواجهة. فالجفاف والتصحر لا ينتظران الاتفاق الدولي، وآثارهما السلبية تمتد الى كل مكان. وفي غياب العمل والإبداع والتمويل الوطني والتأخير في الإجراء فإن الاقتصاد الوطني يتكبد بطريقة غير مباشرة إضعاف المبالغ التي يمكن تخصيصها.