الغد-عبدالله الربيحات
قال خبراء زراعيون، إن مستقبل الزراعة في الأردن مرهون بالقدرة على تحويل البحث العلمي من مجرد أوراق تُحفظ في الأدراج، إلى تكنولوجيا حية تنبض بالحقول.
وبينوا لـ"الغد"، ان هذا يتطلب إرادة جادة، وتمويلا كافيا، وتوحيدا للمرجعيات، وتكاملا حقيقيا بين الجامعات، ومراكز البحوث الوطنية، والقطاع الخاص، لضمان غذاء مستدام في عالم مليء بالمتغيرات.
الزراعة ركيزة للأمن القومي
بدوره قال الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي د.فاضل الزعبي، في ظل التحديات العالمية المتسارعة، بدءا من التغير المناخي وصولا للأزمات الجيوسياسية التي تعصف بسلاسل الإمداد، لم يعد القطاع الزراعي مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل أصبح الركيزة الأساسية للأمن القومي لأي دولة.
واضاف، في الأردن، تتشابك تحديات شح المياه مع محدودية الموارد، ليبرز "البحث العلمي الزراعي" ليس كخيار أو ترف أكاديمي، بل كطوق نجاة وضرورة وجودية لضمان استدامة الغذاء وتطوير القطاع.
وبين، أن تطوير القطاع الزراعي يعتمد بشكل جذري على مخرجات البحث العلمي الدقيق، فعبر البحوث، يتم استنباط وتطوير بذور محسنة قادرة على إعطاء إنتاجية أعلى ومقاومة للأمراض، ما يعظم الاستفادة من وحدة المساحة.
وزادن أن التحدي الأكبر الذي يواجه الأردن هو "الفقر المائي"، وهنا يتدخل البحث العلمي لتقديم حلول الاستخدام الأمثل للمياه عبر تقنيات الري الذكية والزراعة المائية وغيرها من الابتكارات التي تعظم الإنتاج بأقل قطرات من المياه، مبينا انه لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي ظل الارتفاع الجنوني العالمي لأسعار الأسمدة، تقدم البحوث حلولاً للاستخدام الأمثل والرشيد للأسمدة، وتطوير بدائل عضوية ومحلية، ما يقلل من تكاليف الإنتاج التي أثقلت كاهل المزارع ورفعت من قيمة الغذاء عبر سلسلة القيمة بأكملها.
وتابع، أن هذه التحديات المعقدة لا يمكن مجابهتها بالأساليب التقليدية، بل تتطلب "تكنولوجيا زراعية" متقدمة، وهي تكنولوجيا لا تشترى فقط، بل يجب أن تتأتى وتطوع عبر بحوث وطنية عملية تأخذ بعين الاعتبار البيئة الأردنية، وتستنبط الوسائل اللازمة للتكيف مع الآثار القاسية للتغير المناخي.
وأشار إلى إنه رغم هذه الأهمية القصوى، تشير لغة الأرقام إلى واقع يحتاج إلى مراجعة شاملة، إذ ما يزال الإنفاق على البحث العلمي والتطوير في الأردن متواضعاً، حيث يتراوح تاريخياً حول (0.4 % إلى 0.5 %) من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم خجول جداً إذا ما قورن بالمعدل العالمي الذي يتجاوز (2.2 %) في الدول المتقدمة، ويصل ببعض الدول الرائدة زراعياً وتكنولوجياً لأكثر من (3 % أو 4 %).
ولفت إلى أن هذا الإنفاق الحالي لا يكفي بأي حال من الأحوال لإحداث الثورة الزراعية المنشودة، ما يحتم على صانعي القرار والقطاع الخاص توجيه ودفع ودعم موازنات البحث العلمي كاستثمار إستراتيجي بعيد المدى.
وقال إن الجهود المؤسسية في الأردن ليست غائبة؛ فقد وضع "المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا" إستراتيجية واضحة المعالم لأولويات البحث العلمي في قطاع الزراعة والأمن الغذائي والعلوم البيطرية للسنوات العشر القادمة وهذه الإستراتيجية تشكل خريطة طريق لتوجيه البوصلة البحثية نحو التحديات الحقيقية.
كما تبرز جهود "المركز الوطني للبحوث الزراعية" وإستراتيجيته التي ركزت بشكل جلي على البحوث الخاصة بإدخال التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، ورقمنة القطاع، ونقل مخرجات البحث من المختبرات إلى حقول المزارعين لضمان التطبيق العملي، وفقا له.
وأوضح أنه في هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يجب أن تؤديه كليات الزراعة ومراكز البحوث في الجامعات الأردنية، مبينا أن المرحلة الدقيقة التي نمر بها تتطلب تغييرا بالفلسفة البحثية الأكاديمية؛ فيجب ألا يقتصر هدف البحوث الجامعية على تحقيق متطلبات باحثيها في النشر الدولي لغايات "رفع الدرجة العلمية" والترقيات الأكاديمية لكل واحد منهم، بل يجب أن تكون هذه البحوث استجابة حقيقية ومباشرة لاحتياجات القطاع الزراعي الأردني، وأن تعالج مشاكل المزارع، وتقدم حلولاً تطبيقية تسهم في تعزيز الأمن الغذائي الوطني.
وعرض لأبرز التحديات التي تعيق تحقيق القفزة المرجوة في القطاع الزراعي، كتشتت الجهود البحثية وتعدد الجهات التي تديرها. لذا، تبرز الحاجة الملحة اليوم لتوحيد مرجعيات البحث العلمي" الخاص بالقطاع الزراعي في الأردن تحت مظلة وطنية متكاملة، حيث إن هذا التوحيد ليس مجرد إجراء إداري، بل هو خطوة استراتيجية لتعظيم الاستفادة الكاملة من التمويل المتاح -والذي يعاني أصلاً من المحدودية- ومنع تشتته أو تكرار الأبحاث ذاتها بين مؤسسات مختلفة.
تحسين إنتاجية المحاصيل
من جهته بين وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري، تكمن أهمية البحث العلمي في القطاع الزراعي عبر تحسين إنتاجية المحاصيل بتطوير أصناف مقاومة للجفاف والملوحة وذات كفاءة عالية في استخدام المياه، ورفع كفاءة إدارة الموارد المائية عبر تقنيات الري الذكي والاستشعار عن بعد وتقليل الفاقد، وتخفيض كلف الإنتاج باستخدام التقنيات الحديثة والرقمنة الزراعية، وتعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار الإنتاج وتخفيض التقلبات الموسمية، وتحسين جودة المنتجات الزراعية وزيادة قدرتها التنافسية بالأسواق المحلية والتصديرية، تطوير سلاسل القيمة الزراعية من الإنتاج للتصنيع الغذائي والتسويق.
وتابع، فضلا عن دعم اتخاذ القرار الزراعي المبني على البيانات عبر النماذج التنبؤية وتحليل البيانات، وتقليل الأثر البيئي للزراعة عبر تقنيات الزراعة المستدامة وإدارة التربة والأسمدة، ورفع كفاءة إدارة الآفات والأمراض باستخدام المكافحة الحيوية والتقنيات الدقيقة، وتمكين المزارعين من التكيف مع التغير المناخي عبر حلول مبتكرة قائمة على البحث العلمي.
إيجاد حلول مبتكرة
وبين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي، يعد البحث العلمي ركيزة أساسية بتطوير القطاع الزراعي، إذ يساهم بإيجاد حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه هذا القطاع كشح المياه، وتغير المناخ، وتدهور التربة، والآفات الزراعية، عبر الدراسات والتجارب العلمية، حيث يمكن تحسين إنتاجية المحاصيل وجودتها، وتطوير أصناف نباتية أكثر تحمّلًا للظروف البيئية القاسية، ما يعزز الأمن الغذائي ويقلل من الاعتماد على الاستيراد.
واضاف، يلعب البحث العلمي دورًا مهمًا في إدخال التقنيات الحديثة إلى الزراعة، كالزراعة الذكية والريّ بالتنقيط واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي بإدارة الموارد، وهذه الابتكارات تساهم برفع كفاءة الإنتاج وتقليل التكاليف، ما ينعكس إيجابا على دخل المزارعين واستدامة القطاع الزراعي بشكل عام.
وبين أن المراكز البحثية تأتي بمقدمة الجهات التي تقود هذا التطور، حيث تقوم بإجراء التجارب الحقلية وتحليل البيانات وتقديم التوصيات المبنية على أسس علمية، كما تنقل المعرفة والتكنولوجيا للمزارعين عبر الإرشاد الزراعي، ما يساعد بتطبيق أفضل الممارسات الزراعية وتحسين الإنتاج.
أما الجامعات، فهي تؤدي دورا تكامليا عبر إعداد الكوادر المؤهلة وتخريج الباحثين والمتخصصين بالعلوم الزراعية، وتنفيذ أبحاث تطبيقية بالتعاون مع المراكز البحثية والقطاعين العام والخاص، وهذا التعاون يعزز الابتكار ويساهم ببناء منظومة زراعية متطورة وقادرة على مواجهة التحديات المستقبلية، وفقا له.
وتابع، يؤدي المركز الوطني للبحوث الزراعية دورا أساسيا بدعم القطاع الزراعي عبر تطوير الأبحاث التطبيقية، واستنباط تقنيات حديثة لرفع الإنتاجية وتحسين إدارة الموارد في ظل تحديات مثل شح المياه والتغير المناخي في الأردن، حيث يعمل على نقل المعرفة إلى المزارعين وتعزيز الابتكار الزراعي، مبينا أهمية التشاركية مع القطاع الخاص بتحويل مخرجات البحث العلمي لمشاريع استثمارية قابلة للتطبيق، وتسريع تبني التقنيات الحديثة، وخلق فرص عمل، بما يسهم في تحقيق تنمية زراعية مستدامة وتعزيز الأمن الغذائي.
طوق نجاة
بدوره قال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني، تُشكل الأبحاث العلمية طوق النجاة للزراعة في الأردن، الذي يواجه تحديات قاسية نتيجة وقوعه ضمن المناطق الأكثر فقراً بالمياه عالمياً.
وأضاف، يعمل العلماء اليوم على ابتكار بذور وأصناف زراعية تمتلك قدرة فائقة على الصمود بوجه الجفاف والحرارة العالية، بحيث تنتج محاصيل وافرة رغم قلة الأمطار، تهدف لتطويع الطبيعة لخدمة المزارع.
وزاد، تبرز التكنولوجيا الرقمية كشريك ذكي للمزارع الأردني، بحيث يتم استبدال طرق الري القديمة بأنظمة ذكية "تتحسس" حاجة التربة بدقة وتمنحها الكفاية دون ضياع قطرة واحدة، مبينا ان الأبحاث شملت تطوير تقنيات الحصاد المائي واستغلال كل الموارد المتاحة بطرق مبتكرة ، وهذا التحول التكنولوجي يحول الزراعة من مهنة تعتمد على المصادفة والمناخ إلى قطاع منظم يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي، ما يقلل الكلف ويحمي الثروة المائية من الاستنزاف.
وقال، في ظل محدودية المساحات الصالحة للزراعة، يركز البحث العلمي على التوسع العمودي عبر تقنيات الزراعة المائية والبيوت المحمية المتطورة التي تضاعف الإنتاج في مساحات محدودة جداً، مبينا أن هذه الأنظمة الحديثة توفر بيئة مثالية لنمو النباتات بعيداً عن تقلبات الجو، وتسمح بإنتاج محاصيل عالية الجودة طوال العام.