بعد 4 سنوات من رؤية التحديث.. ماذا تحقق لقطاع الزراعة؟
الغد-عبدالله الربيحات
حين أُطلقت رؤية التحديث الاقتصادي منتصف عام 2022، حظي قطاع الزراعة والأمن الغذائي بموقع لم يعتده في الوثائق الوطنية السابقة؛ إذ عومل بوصفه قطاعا إنتاجيا واعدا، لا نشاطا اجتماعيا هامشيا، وحُدِّدت له، ضمن 366 مبادرة توزعت على 35 قطاعا، مستهدفات طموحة في النمو والتصدير والتشغيل حتى عام 2033، من بينها خطة لتوليد نحو 65 ألف فرصة عمل زراعية.
وبعد أربع سنوات على الإطلاق، يحق للأردنيين أن يسألوا: ماذا تحقق فعلا؟ وأين تعثرت المسيرة؟
مؤشرات مشجعة
في هذا السياق، رأى خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن من الإنصاف القول إن المؤشرات الكلية جاءت مشجعة؛ إذ سجل القطاع نموا بلغ 6.9 % عام 2024، ثم قاد النمو الوطني في عام 2025 بمعدلات فصلية تراوحت بين 6.3 % و8.1 %، لترتفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5.4 %، بقيمة مضافة تناهز 2.26 مليار دينار. كما حققت الصادرات الزراعية رقما قياسيا تجاوز 1.68 مليار دينار، مقارنة بنحو 900 مليون دينار عام 2022، مدعومة بقرارات حكومية لدعم الشحن الجوي والبحري.
وأضاف الزعبي: "كذلك أُعيدت هيكلة صندوق إدارة المخاطر الزراعية، وأُطلق البرنامج التنفيذي الثاني للرؤية (2026-2029) بحزمة مبادرات تشمل التكنولوجيا الموفرة للمياه وشركة اقتصاد تشاركي لتنظيم العمالة الزراعية، وهذه إنجازات لا يجوز التقليل من شأنها في اقتصاد يبحث عن محركات نمو جديدة".
وقال إن الصورة لغاية الآن ليست مكتملة؛ فالتمويل المرصود لقطاع الزراعة والأمن الغذائي في البرنامج التنفيذي الثاني يبلغ نحو 64.5 مليون دينار من الموازنة للسنوات 2027-2029، وهذا يبدو متواضعا قياسا بطموح المستهدفات، ويشي بأن الرهان الحقيقي معقود على استثمار خاص لم تتضح بعد أدوات تحفيزه. كما تأخرت مشاريع البنية التحتية للمياه الزراعية في وقت كان فيه الموسم المطري 2024/2025 من الأضعف منذ عقود، فيما لا تتجاوز الموازنة المائية السنوية مليار متر مكعب، يذهب نصفها للزراعة.
وأضاف أن التحول المنشود في منظومة العمالة الزراعية، التي تضم نحو 400 ألف عامل، بينهم 60 إلى 65 ألف عامل وافد، لم يتحقق فعليا حتى الآن، ولم يتم رفع الاكتفاء الذاتي من القمح الذي ما يزال عند حدود 3 %، مع واردات تقارب 1.15 مليون طن سنويا. وإن ظل المخزون الإستراتيجي مطمئنا عند مستوى يكفي عشرة شهور، يضاف إلى ذلك أن قياس التقدم نفسه ما يزال صعبا؛ فالتقارير الدورية العلنية عن أداء مبادرات القطاع نادرة، ويبدو أن غياب منظومة متابعة معلنة بمؤشرات كمية جعل التقييم اجتهادا أكثر منه محاسبة منهجية.
وزاد الزعبي أن المراجعة الذاتية تفرض نفسها على كل من شارك في صياغة مستهدفات القطاع، إذ بُنيت الرؤية على ثلاث فرضيات، قوامها أن التمويل الحكومي سيتدفق بانتظام، وأن التنسيق المؤسسي سيواكب طموح المبادرات، وأن الاستثمار الخاص سيستجيب سريعا لتحسن بيئة الأعمال.
وقال إن التجربة أثبتت صحة الرهان على التصدير والميزة النسبية للخضار والفواكه عالية القيمة، لكنها كشفت أن الفرضيتين الأوليين كانتا متفائلتين؛ إذ إن تداخل المسؤوليات بين المؤسسات، والضغوط المزمنة على الموازنة العامة، أبطآ التنفيذ أكثر مما قُدِّر.
وتابع: "كما أن صدمات خارجية متلاحقة، من حرب أوكرانيا إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الأسمدة والأعلاف والطاقة، إضافة إلى التغير المناخي، أعادت ترتيب الأولويات قسرا نحو إدارة الأزمات بدل التحول البنيوي".
وقال الزعبي إن التجربة تظهر أن الرؤية ما تزال إطارا وطنيا صالحا، وأن المشكلة ليست في الوجهة، بل في سرعة السير وانتظامه، ولعل مرور أربع سنوات يمثل لحظة مناسبة للمراجعة عند منتصف الطريق؛ وذلك لتحديث الأولويات، وتعزيز الحوكمة، وربط التمويل بالنتائج.
واقترح على صُنّاع القرار إصدار تقرير سنوي علني يقيس أداء مستهدفات القطاع الزراعي بمؤشرات كمية، موضحا أن "ما لا يُقاس لا يُدار"، وبالتوازي لا بد من إنشاء آلية تنسيق عليا للأمن الغذائي تجمع وزارات الزراعة والمياه والصناعة والتخطيط تحت مظلة واحدة تحسم تداخل الصلاحيات.
وزاد: "مطلوب أيضا توجيه التمويل الميسّر عبر مؤسسة الإقراض الزراعي وصندوق إدارة المخاطر نحو التكنولوجيا الموفرة للمياه والزراعة المحمية، وتحفيز الاستثمار الخاص بحوافز واضحة في سلاسل القيمة والتصنيع الغذائي بدل الاكتفاء بالإنتاج الأولي".
كما دعا إلى ربط أي توسع زراعي بمشاريع المياه غير التقليدية، وفي مقدمتها المياه المعالجة والحصاد المائي، وتأهيل العمالة الوطنية وتنظيم سوق العمل الزراعي لرفع جاذبيته للشباب، إضافة إلى إدماج التكيف المناخي في كل مبادرة زراعية بوصفه شرط جدوى لا ترفا إضافيا.
وقال إن القطاع الزراعي أثبت خلال أربع سنوات أنه قادر على أن يكون رافعة نمو حقيقية حين تتوافر له الإرادة والموارد، مبينا أن المطلوب اليوم ليس رؤية جديدة، بل وفاء أفضل خلال الرؤية القائمة.
تحديات التحديث
من جهته، قال وزير الزراعة الأسبق رضا الخوالدة إنه منذ إطلاق رؤية التحديث الاقتصادي عام 2022، حظي القطاع الزراعي باهتمام كبير، باعتباره أحد القطاعات الرئيسة في تحقيق الأمن الغذائي وزيادة النمو الاقتصادي.
وأضاف أن الرؤية تضم العديد من المبادرات الموزعة على مختلف القطاعات الاقتصادية، من بينها مبادرات خاصة بتطوير الزراعة وتعزيز الاستثمار والابتكار، مبينا أن السنوات الأربع الماضية شهدت تطورا في استخدام تقنيات الزراعة الذكية، والزراعة المحمية، والري الحديث، إضافة إلى دعم مشاريع التصنيع الغذائي وسلاسل القيمة الزراعية.
وبيّن الخوالدة أن الحكومة أطلقت برامج لدعم المزارعين والشباب الرياديين، وتشجيع الاستثمار في التقنيات الحديثة، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وقال إن القطاع الزراعي حقق نتائج إيجابية في التجارة الخارجية؛ إذ ارتفعت قيمة الصادرات الزراعية من 649 مليون دينار عام 2018 إلى نحو 898 مليون دينار عام 2022، كما بلغت قيمة الصادرات الزراعية والغذائية ما يقارب 2.37 مليار دولار عام 2025، مع مساهمة القطاع بنحو 5.4 % من الناتج المحلي الإجمالي. وتدل هذه المؤشرات على تحسن تنافسية المنتجات الزراعية الأردنية وزيادة قدرتها على الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وأضاف أنه رغم هذه الإنجازات، ما يزال القطاع الزراعي يواجه تحديات كبيرة تحدّ من تحقيق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي بصورة كاملة، وفي مقدمتها شح المياه؛ حيث يُعد الأردن من أكثر الدول فقرا بالمياه، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والبذور ومدخلات الإنتاج، ما يزيد من تكلفة الإنتاج ويؤثر في ربحية المزارعين.
وتابع الخوالدة: "كما ساهمت التغيرات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة، وتكرار مواسم الجفاف، في انخفاض إنتاجية بعض المحاصيل الزراعية"، مبينا أنه ما تزال هناك فجوة بين نتائج البحث العلمي والتطبيق العملي في المزارع، بالإضافة إلى محدودية التمويل للمشروعات الزراعية الصغيرة، وضعف خدمات التسويق الزراعي، فضلا عن أن بطء تنفيذ بعض المبادرات وضعف التنسيق بين الجهات المعنية أدّيا إلى تأخير تحقيق بعض المستهدفات التي نصت عليها الرؤية.
وزاد أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب تسريع تنفيذ برامج رؤية التحديث الاقتصادي، مع إعطاء أولوية للإدارة المستدامة للموارد المائية من خلال التوسع في الري بالتنقيط، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وحصاد مياه الأمطار. كما ينبغي تعزيز استخدام التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بُعد، والطائرات المسيّرة، في إدارة العمليات الزراعية وتحسين الإنتاج.
وتابع: "ومن الضروري أيضا زيادة الاستثمار في البحث العلمي وربط الجامعات ومراكز البحوث بالمزارعين والقطاع الخاص، لضمان تحويل نتائج الدراسات إلى تطبيقات عملية. كما يجب توفير التمويل الميسّر للمزارعين، ودعم الصناعات الغذائية، وفتح أسواق تصديرية جديدة، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي في القطاع الزراعي، إلى جانب تدريب الشباب والمرأة على التقنيات الزراعية الحديثة، بما يسهم في خلق فرص عمل وتحقيق التنمية الريفية المستدامة".
وقال الخوالدة إنه بعد مرور أربع سنوات على إطلاق رؤية التحديث الاقتصادي، يمكن القول إن القطاع الزراعي حقق تقدما ملحوظا في مجالات الاستثمار، والتكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وتعزيز الأمن الغذائي، إلا أن تحقيق جميع أهداف الرؤية ما يزال يتطلب معالجة التحديات المرتبطة بالمياه، والتغير المناخي، وارتفاع كلف الإنتاج، وتسريع تنفيذ المبادرات.
ولفت إلى أن استمرار الإصلاحات، وتعزيز الابتكار، وزيادة الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير الشراكة بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص، من شأنها أن تجعل القطاع الزراعي أكثر قدرة على دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة، بما ينسجم مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي للمملكة.
مراجعة منهجية
بدوره، أكد المستشار الدولي ووزير الزراعة الأسبق محمود الدويري ضرورة تقييم مدى استجابة مشروعات قطاع الزراعة الأردنية لرؤية التحديث الاقتصادي بعد مرور أربع سنوات عليها، وكذلك إجراء مراجعة منهجية للاستجابة لهذه الرؤية، وإصلاح منظومة التسويق الزراعي، وإيجاد تعاونيات إنتاجية وتسويقية فاعلة، إضافة إلى تحسين التعليم والتدريب الزراعي، وإقرار تشريعات تنظيمية للأراضي الزراعية وتنظيم الإنتاج.
وزاد: "كما لا بد من تحليل التحديات واستشراف فرص التنمية المستدامة، بتعزيز الربط بين البحث العلمي وبناء قدرات المزارعين، وتوسيع الأسواق البديلة للتصدير، وإنشاء غرفة زراعة الأردن".
وأشار الدويري إلى أهمية العمل على استحداث برنامج وطني للتحول الرقمي في الزراعة الذكية، بإنشاء وحدة تنسيقية وطنية لتطوير سلاسل القيمة الزراعية والصناعات التحويلية، وتحسين كفاءة استخدام المياه عبر الابتكار البحثي. كما لا بد من تطوير التسويق الزراعي، وإنشاء مظلة وطنية موحدة للبحث العلمي في الزراعة، تقوم على شراكة متوازنة بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز التأمين الزراعي عن طريق التكامل بين صندوق المخاطر والتأمين الزراعي الخاص.