أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    01-Oct-2026

أحسنت الحكومة بالتجديد لمحافظ البنك المركزي

 الغد-د. قاسم سعيد الزعبي

 
 
لماذا أحسنت الحكومة بالتجديد لمحافظ البنك المركزي الأردني الدكتور عادل أحمد شركس؟
للإجابة عن هذا التساؤل، تعود بي الذاكرة إلى عام 1993، عندما كلفني في ذلك الوقت محافظ البنك المركزي، المرحوم الدكتور محمد سعيد النابلسي، بمراجعة دراسة أعدها فريق من الخبراء والأساتذة برئاسة الأستاذ الدكتور ماكسويل فراي من جامعة بيرمنغهام، الذي كان أحد أساتذتي في الدراسات العليا في بريطانيا.
 
 
وكان هدف الدراسة قياس العلاقة بين الفترة التي يخدم فيها محافظ البنك المركزي ومستوى الاستقرار في الأسعار في كافة دول العالم.
 وقد شملت الدراسة مسحا لكافة البنوك المركزية، وخلصت إلى وجود علاقة قوية بين طول الفترة التي يخدم فيها محافظ البنك المركزي ومستوى الاستقرار في الأسعار، سواء تلك المتعلقة بأسعار الصرف أو أسعار السلع (التضخم). فالدول التي تكون فيها مدة خدمة المحافظ محددة بقانون البنك المركزي، كلما طالت هذه المدة، تمكنت البنوك المركزية من المحافظة على استقرار الأسعار، وبالتالي تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق النمو الاقتصادي.
وقد أولت السلطتان التنفيذية والتشريعية في المملكة أهمية كبيرة لتعزيز استقلالية البنك المركزي، لتمكينه من تنفيذ السياسة النقدية بكفاءة وفاعلية، من خلال إدخال تعديلات على قانون البنك المركزي لعام 1971، وذلك لتعزيز الاستقلال المالي والإداري والمهني للبنك، بما فيها سياسة سعر صرف الدينار، والإشراف على البنوك والمؤسسات المالية، إضافة إلى مهام الاستقرار المالي ونظام المدفوعات.
ومن بين التعديلات تحديد مدة لتعيين المحافظ، والتي حددها القانون بخمس سنوات قابلة للتجديد. وكان هدف المشرّع من هذا التعديل إعطاء المحافظ الفرصة والإمكانات لوضع السياسات النقدية وتنفيذها ومراقبة أثرها الاقتصادي على القطاعات الاقتصادية.
وقد مكّنت هذه الاستقلالية البنك المركزي من اتخاذ قرار تثبيت سعر صرف الدينار الأردني مقابل الدولار الأميركي في عام 1995، بدلا من سلة من العملات، وبما يتناسب وظروف المرحلة آنذاك. أما المبررات التي كانت وراء هذا القرار، فقد كانت منسجمة مع النظريات الاقتصادية، وخاصة ما يتعلق منها بحجم وهيكل الاقتصاد الأردني، ودرجة انفتاحه على العالم الخارجي، وكذلك حساسية الأسعار المحلية لتغيرات أسعار الصرف، واعتماد القطاع المالي على العملات الأجنبية، وعناصر الثقة بالسياسات الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، كانت هناك حاجة إلى مرساة لتقليل التقلبات في سعر صرف الدينار الأردني، بعد التقلبات التي شهدها الاقتصاد نتيجة للأزمة المالية عام 1989، والحاجة إلى دعم استقرار الأسعار المحلية، وأيضا المساعدة في القدرة على التنبؤ بتكاليف التجارة الخارجية وتحقيق الاستقرار للمستثمرين والمستهلكين، إلى جانب تمكين البنك من بناء احتياطيات كافية من العملات الأجنبية للدفاع عن سعر الصرف في حال زيادة الطلب على العملات الأجنبية. هذا بالإضافة إلى وجود درجة من التكامل مع الاقتصاد الأميركي في الصادرات والمساعدات المالية، والذي يرتبط بعملته الدينار.
وعبر العقود الثلاثة التي تبعت تثبيت سعر الصرف، أثبتت السياسة النقدية نجاعة النهج الذي اتخذه البنك المركزي، وقد أسهمت هذه السياسة في المحافظة على استقرار الأسعار وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلباتها، مما وفر بيئة داعمة للاستثمار وشجع مزيدا من التدفقات لرأس المال الأجنبي. واستطاع البنك المركزي خلالها بناء رصيد من الاحتياطيات الأجنبية وصل حاليا إلى 19 مليار دينار، وتغطي أكثر من ثمانية أشهر من المستوردات، هذا إلى جانب المساعدة في توفير التمويل للقطاعات الاقتصادية وتهيئة البيئة المناسبة لدعمها.
وانعكس أثر هذه السياسة على تحقيق الاستقرار النقدي الذي تحتاجه المملكة لتحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز جهود التنمية الاقتصادية.
 وتشير البيانات إلى أن الاقتصاد الأردني قد سجل متوسط نمو خلال الفترة 2000-2009 بلغ 6.5 %، إلا أنه تراجع بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 إلى 2.5 % خلال الفترة 2010-2019، واستمر هذا التراجع إلى حدود 2.3 % خلال الفترة اللاحقة.
أما معدلات التضخم، فقد تم ضبطها إلى حدود 2 % خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أن النمو الاقتصادي، الذي وصل إلى حدود 3 % خلال الربع الأول من عام 2026، ما يزال أقل من التوقعات الواردة في الرؤية الاقتصادية 2030، والتي توقعت نموا حقيقيا بنسبة 5.5 %. وهذا يعني أن السياسة النقدية قد حققت أهدافها في تحقيق الاستقرار النقدي واستقرار سعر صرف الدينار مقابل الدولار.
وبالمقابل، فإن سياسة تثبيت سعر الصرف لم تكن دون كلفة مالية للدفاع عن جاذبية الدينار والمحافظة على سعر صرفه مقابل الدولار، وأيضا التضحية بهامش المناورة للبنك المركزي في التأثير على معدلات النمو الاقتصادي من خلال استخدام أدواته المالية، والمتمثلة في أسعار الفائدة. وعلى الرغم من أن أحد أهداف البنك دعم النمو الاقتصادي، فإن هامش استقلالية السياسة النقدية في التأثير على النمو الاقتصادي كان محدودا نسبيا؛ لأن البنك المركزي يحتاج إلى الحفاظ على أفق السياسة النقدية وفق متطلبات المحافظة على سعر صرف الدينار.
وفي ضوء ذلك، فإن عبء تحريك النمو الاقتصادي كان يفترض أن يقع على السياسة المالية، ولكن في ظل حجم الفجوة المالية بين الإيرادات العامة والنفقات، وارتفاع العجز المالي الذي وصل إلى 1.3 مليار دينار خلال النصف الأول من عام 2026، أو ما نسبته 5.8 % من الناتج المحلي الإجمالي، فقد انعكس حجم العجز المتراكم سنويا على حجم الدين العام، الذي وصل إلى 49.7 مليار دينار، أو ما نسبته 110 % من الناتج المحلي الإجمالي.
إضافة إلى ذلك، فإن محدودية أثر النفقات الرأسمالية في إحداث أثر اقتصادي كبير في النمو الاقتصادي، نتيجة ارتفاع نسبة النفقات الجارية إلى الإيرادات العامة، أو ما نسبته 85 %، ومحدودية أثر النفقات الرأسمالية، التي بلغت 15 % في عام 2025، تحد من قدرة السياسة المالية على دفع النمو الاقتصادي.
وللخروج من الحلقة المفرغة، فإننا نتوقع من إدارة البنك المركزي، برئاسة المحافظ في دورته الثانية، دراسة مختلف البدائل لإدارة السياسة النقدية، والبحث عن حلول إبداعية للخروج من الحلقة التي تدور فيها السياسات الاقتصادية العامة، بما يساعد على إعادة تحفيز النمو، وتحسين مستويات المعيشة، وخلق فرص العمل، وتخفيض معدلات البطالة، وفق توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.