الغد-د. حمزه العكاليك
تعد ملكية التحول الرقمي إحدى أكثر القضايا إلحاحاً وتعقيداً في الإدارة العامة الحديثة، حيث لم يعد التحول مجرد انتقال تقني تشرف عليه وحدة تكنولوجيا المعلومات، بل أصبح نظاماً حيوياً يتنفس من خلال القرارات الموزعة عبر كامل مفاصل الدولة. فالتحول الرقمي في جوهره لا يمتلكه فريق واحد أو وزارة بعينها، بل هو نتاج تفاعلات معقدة بين السياسات العامة وتصميم الحلول والبنية التكنولوجية وإدارة البيانات والعمليات التشغيلية. وعليه، فإن ما يحدد نجاح التجربة الرقمية للمواطن في الأردن أو في أي مكان في العالم، هو التراكم الكمي والنوعي للقرارات اليومية الصغيرة التي تُتخذ في المكاتب والميدان، وتشكل في مجموعها الواقع الرقمي الذي يعيشه الفرد.
فملامح الخدمة الرقمية، تتشكل من خلال سلسلة من التدخلات التي تبدأ من أعلى هرم السلطة إلى أن تصل لموظف الاستقبال في أصغر مركز خدمي. فمستشارو السياسات، هم في الحقيقة من يرسمون حدود البساطة أو التعقيد في الخدمة. وفي هذا السياق تبرز أهمية التنسيق بين المؤسسات الحكومية، حيث ما تزال بعض الدوائر تعمل بأنظمة مستقلة غير مترابطة مما يحد من تكامل الخدمات ويبقي المواطن مضطراً للتعامل مع أكثر من جهة لإنجاز معاملة واحدة، وهي إحدى الفجوات الإدارية التي يسعى الأردن لمعالجتها.
ويأتي دور مصممي الحلول، ليحولوا تلك السياسات إلى رحلات مستخدم وهم يواجهون تحديا جوهريا في الموازنة بين احتياجات المواطن الحقيقية وبين الهياكل التنظيمية الداخلية التي غالباً، ما تفرض نفسها على تصميم الخدمة. أما فيما يتعلق بالبيانات، فيلعب مسؤولو البيانات دورا حاسما في تحديد مدى قابلية المعلومات للمشاركة والاستخدام البيني؛ فإما أن تكون البيانات جسورا تربط المؤسسات وتسهل حياة المواطن، وإما أن تظل صوامع مغلقة ومجزأة تعيق اتخاذ القرار وتكرر طلب المعلومات من المواطن. وأخيراً تضع الفرق التشغيلية البصمة الأخيرة على الخدمة، حيث يترجمون التكنولوجيا إلى تجربة واقعية في الميدان وهنا، تظهر أهمية الثقافة المؤسسية؛ فالتكنولوجيا لا تنجح إذا لم يصاحبها تغيير في عقلية الموظف العام، الذي يجب أن يدرك أنه يقدم خدمة لمواطن يستحق الجودة والسرعة.
وبينما تنفق المؤسسات والوزارات مبالغ طائلة لتحسين وقت التنفيذ، غالباً ما تتجاهل العائق الحقيقي: زمن استجابة القرار. وهي الفجوة الزمنية بين إدراك الحاجة إلى قرار ما، ولحظة اتخاذه وتنفيذه فعلياً. وفي الكثير من المؤسسات الحكومية، قد يستغرق بناء ميزة تقنية معينة بضعة أيام لكن الحصول على الموافقة عليها، قد يستغرق أشهرا من المراجعات والاجتماعات ولجان المخاطر.
وشهدت المملكة الأردنية الهاشمية، تحولا نوعياً في مسار الرقمنة، حيث تشير البيانات الصادرة عن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة والبنك الدولي للعام الماضي، إلى تحقيق قفزات ملموسة في مؤشرات الأداء الرقمي. وعلى الرغم من هذا التقدم، إلا أنه ما يزال مؤشر رأس المال البشري (HCI)، يشير إلى وجود فجوة في المهارات الرقمية يجب ردمها لضمان استدامة التحول. فالتحول الرقمي ليس مجرد شراء أجهزة وبرمجيات، بل هو استثمار في عقول قادرة على قيادة التغيير وإدارة النظم المعقدة.
وأما على الصعيد العالمي، فتبرز تجارب ملهمة. ففي إستونيا يُطبق مبدأ "مرة واحدة فقط"، فالمواطن يقدم بياناته لمرة واحدة، ثم تشارك بشكل آمن بين الجهات الحكومية عبر منصة تبادل بيانات موحدة (X-Road)، مما يلغي الحاجة لتكرار المعلومات. في المقابل، تركز سنغافورة على الحوكمة المركزية. فقد شكلت مجموعة الأمة الذكية والحكومة الرقمية في رئاسة الوزراء، لتنظيم بنيتها التحتية الرقمية والأهداف الوطنية. فهذا النهج يؤمن التنسيقَ الكاملَ للمشاريع الرقمية بين الجهات الحكومية ويقلل الازدواجية، ليضمن تجربة أكثر اتساقا للمواطن.
والسؤال المركزي هنا من يملك التحول الرقمي؟ الإجابة تتلخص في أن الجميع يملكه والجميع مسؤول عنه. ولا ينجح التحول في الأردن بقرار من وزير واحد بل ينجح عندما يسأل كل موظف نفسه: كيف يجعل قراري اليوم هذه الخدمة أبسط وأسرع للمواطن؟ ورغم أهمية التكنولوجيا، إلا أن نقل الإجراءات الورقية كما هي يحول البيروقراطية إلى نسخة رقمية بطيئة. لذلك، يجب أن يكون الهدف إعادة هندسة الإجراءات قبل الرقمنة. فهذه المقاربة تعني تبسيط الخدمة من نهايتها المرجوة بحذف كل خطوة لا تضيف قيمة. وقد يتضمن ذلك تقليل عدد التواقيع أو توظيف التقنيات الذكية لأتمتة المهام الروتينية. وأكد تقرير البنك الدولي أن هذا النهج، يعزز بشكل جذري انسيابية الخدمة وجودة تجربة المستخدم.
أخيرا، فنحن لا نصمم خدمات رقمية فحسب؛ نحن نصمم الطريقة التي تتخذ بها القرارات في الدولة. والفرصة كبيرة أمام الأردن تتطلب جرأة في القرار وسرعة في التنفيذ وإيماناً راسخاً، بأن المواطن هو بوصلة التغيير وهدفه الأسمى.