عندما يتحول الراتب إلى اختبار صمود.. أسر بمواجهة "اقتصاد المناسبات"
الغد-عبدالرحمن الخوالدة
مع حلول راتب شهر كانون الثاني (يناير)، لا يبدو الأمر لدى كثير من الأسر الأردنية مجرد موعد دوري لاستلام الدخل الشهري، بل لحظة اختبار قاسية لقدرتها على الصمود أمام معادلة إنفاقية معقدة تتزاحم فيها الالتزامات.
فبين نفقات المعيشة المعتادة، ومتطلبات العودة إلى المدارس، والاستعداد المبكر لشهر رمضان، يتحول الراتب إلى مساحة ضيقة تحاول الأسر أن تمدّها بقدر الإمكان لتغطي أكثر من موسم إنفاقي في وقت واحد.
هذا التزامن يضع الأسر أمام خيارات محدودة، تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات وتقليص النفقات، ولا تنتهي غالبا عند اللجوء إلى القروض والاستدانة، في محاولة لسد الفجوة المتسعة بين دخل ثابت ومواسم إنفاق متلاحقة لا تنتظر.
ويقول المواطن عبدالرؤوف محمد إن دخله الشهري بالكاد يغطي احتياجات أسرته في الظروف الاعتيادية، دون أي نفقات إضافية، متسائلا كيف يمكن التعامل مع راتب هذا الشهر، وهو محمّل بتكاليف العودة المدرسية، إلى جانب الاستعدادات الرمضانية.
ويضيف عبدالرؤوف، وهو معيل لخمسة أطفال، أن الأعباء المالية تتضاعف مع بدء العام الدراسي، إذ يدرس أربعة من أبنائه على مقاعد الدراسة، ما يستدعي الإنفاق على القرطاسية والنقل المدرسي ومستلزمات أخرى لا يمكن تأجيلها.
ويوضح أن حجم المتطلبات المرتبطة براتب كانون الثاني سيدفعه، على الأرجح، إلى الاقتراض لتأمين احتياجات الأسرة المعيشية خلال الأسابيع المقبلة، في خيار يصفه بأنه “إجباري أكثر منه اختياري”.
ولا تختلف الصورة كثيرا لدى المتقاعد عبدالله سليمان، الذي يؤكد أنه يعيش منذ نحو أسبوعين حالة من “أرق التفكير”، وهو يحاول تدبير شؤون أسرته ضمن الإمكانات التي يتيحها راتبه التقاعدي.
ويشير عبدالله إلى أن راتب المتقاعد لا يستطيع تلبية متطلبات الشهر الاعتيادية، مضافا إليها نفقات العودة إلى المدارس والاستعداد لشهر رمضان دفعة واحدة، لافتا إلى أن هامش الحركة لديه محدود للغاية، في ظل التزام بنكي شهري يمنعه من الاقتراض.
ويقول إن الخيار الوحيد المتاح أمامه يتمثل في تقليص النفقات العائلية، وحصرها بالأساسيات فقط، حتى وإن جاء ذلك على حساب احتياجات أخرى.
في المقابل، تحاول الموظفة سهام محمد أن تروي قصة مختلفة. فبعبارة “تعلمت الدرس” تلخص تجربتها مع المواسم الإنفاقية السابقة، مشيرة إلى أن الضغوط المالية التي واجهتها خلال الأعوام الماضية، نتيجة اللجوء إلى الاقتراض، دفعتها إلى تغيير سلوكها المالي.
وتوضح سهام أنها بدأت التخطيط لشهر رمضان قبل نحو ستة أشهر، بعدما بات واضحا لديها أن رواتب الفترة الممتدة من كانون الثاني (يناير) إلى آذار (مارس) ستكون مثقلة بالأعباء، ما دفعها إلى اعتماد الادخار كخيار وقائي.
وتأمل المعلمة أن يجنّبها المبلغ الذي ادخرته الوقوع في ضائقة مالية جديدة، وأن يمكّنها من تلبية احتياجات أسرتها المعيشية خلال شهري شباط وآذار بسلاسة أكبر.
وتأتي هذه الضغوط في ظل ارتفاع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك (التضخم) في الأردن بنسبة 1.77 % خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، ليبلغ 112.67 نقطة، مقابل 110.71 نقطة للعام السابق.
ووفقا لآخر تحديث لبيانات دائرة الإحصاءات العامة حول دخل ونفقات الأسرة، والصادر عام 2018، فإن 49 % من الأسر الأردنية يقل إنفاقها الشهري عن 833 دينارا، فيما يقل إنفاق 9 % من الأسر عن 416.6 دينار شهريا، مقابل 13 %.
ويرى المختص في الاقتصاد السلوكي والاجتماعي حسام عايش أن ما تواجهه الأسر في شهر كانون الثاني يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد المناسبات”، وهي متلازمة ضاغطة تُعد من أخطر الأدوات التي تستنزف القدرة الشرائية، لا سيما عند تزامن أكثر من مناسبة إنفاقية مع موعد الراتب الشهري، كما هو الحال مع عودة المدارس والاستعداد لشهر رمضان.
ويؤكد عايش أن الراتب في هذه الحالات يتحول من مورد يفترض أن يلبي الاحتياجات، إلى عنصر ضاغط يفرض خيارات قاسية على الأسر، ويجعل منه العامل المتحكم الأول في قدرتها على التكيف.
ويشير إلى أن هذا الواقع يستدعي سياسات اجتماعية واقتصادية واضحة للتعامل مع “اقتصاد المناسبات”، تقوم على روزنامة سنوية للمواسم الاستهلاكية، وتطوير آليات تشاركية بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بما يساعد الأسر على تجاوز هذه الفترات دون الوقوع في مأزق مالي متكرر.
وبحسب عايش، تلجأ الأسر في مثل هذه الظروف إلى أنماط تكيف متعددة، أبرزها تقليص الإنفاق، سواء عبر تأجيل سداد الإيجارات أو الأقساط أو الفواتير، أو التحول إلى بدائل أقل سعرا وجودة، وأحيانا أقل عائدا صحيا واقتصاديا.
وفي حالات أكثر حدة، قد يصل الأمر إلى ما يصفه بـ”التكيف السلبي”، عبر التخلي عن التزامات أساسية رغم تبعاتها الاجتماعية.
ويضيف أن خيار الاستدانة يبقى حاضرا بقوة، سواء من خلال القروض أو الجمعيات، وقد يمتد إلى بيع أصول آمنة مثل الذهب أو السيارات أو الأراضي أو الأسهم، أو استنزاف مدخرات الطوارئ لتغطية إنفاق موسمي، في مؤشر على اختلال عميق بين الدخل النقدي والقيمة الشرائية الفعلية.
ويشدد عايش على أن التخطيط المالي الأسري يشكل أداة دفاعية أساسية، عبر تحديد الأولويات وضبط الإنفاق الانفعالي والاجتماعي، وتوزيع الراتب بشكل واضح بين الاحتياجات الأساسية والادخار والطوارئ، مع التأكيد على خصوصية كل أسرة.
كما يدعو إلى دور أكبر للحكومة والبلديات في توفير أسواق موسمية بأسعار معلنة ومخفضة، وإعادة إحياء العمل التعاوني والجمعيات التعاونية على مستوى الأحياء، لحماية الأسر من موجات الإنفاق المرتفع.
ويخلص إلى أن تراجع القدرة الشرائية للأسر الأردنية لا يرتبط بعامل واحد، بل يتقاطع فيه ارتفاع البطالة، واتساع رقعة الفقر، وضعف نمو الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة، وغياب سياسات عامة جادة تتعامل مع “اقتصاد المناسبات” بوصفه قضية معيشية مركزية، مؤكدا أن الصحة المالية للأسر تشكل أحد أعمدة الصحة الاقتصادية للمجتمع، وأن الانتقال الحقيقي يجب أن يكون من إدارة الاقتصاد لصالح الأرقام، إلى إدارته لصالح الناس وقدرتهم على العيش بكرامة.