أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    27-Jan-2026

هل يكفي خفض مديونية البلديات لاستدامة إصلاحاتها المالية؟

 الغد-فرح عطيات

 يطرح خفض مديونية البلديات تساؤلات حقيقية حول مستقبل الحوكمة المحلية واستدامة الإصلاحات المالية، في ضوء الإنجازات المؤقتة وخطر تكرار الأخطاء ذاتها دون حلول جذرية تحد من ارتفاع مديونية المجالس البلدية مجددا.
 
 
ويأتي إعلان الحكومة عن خفض مديونية البلديات من ما يقارب 630 مليون دينار في نهاية عام 2024 إلى 285 مليون دينار بنهاية عام 2025 "خطوة إيجابية"، لكنها لن "تُحدث فرقا حقيقيا" ما لم تُصاحب "بإصلاحات هيكلية شاملة" تُعيد للبلديات دورها في التخطيط العمراني والتنمية الحضرية، وتضع حدا للنزف المالي المستمر الناتج عن الرواتب والمصاريف الجارية، وفق خبراء بالشأن البلدي.
لكن الحل لا يكمن في معالجة الأرقام فحسب، بل بإعادة هيكلة كوادر البلديات، وتعزيز نظم التحصيل والرقابة، وربط التنظيم الحضري بالتنمية المستدامة، بحيث تتحول البلديات لمحركات استثمارية حقيقية، بحد قولهم.
خطوة إيجابية
ومن وجهة نظر مستشار العمارة والتصميم الحضري، د. مراد الكلالدة، فإن خفض مديونية البلديات خطوة "إيجابية" تُحسب للحكومة، لكنها لن تكون "مستدامة" ما لم تُقرأ ضمن إطار أوسع يتعلق "بحوكمة" العمل البلدي نفسه.
 وتابع، المشكلة لم تكن بـ"حجم الدين" فقط، بل بـ"نموذج إدارة" أدى لتضخم أعداد الموظفين، و"استنزاف" الإيرادات على الرواتب والمصاريف الجارية، مقابل محدودية الصرف على البنية التحتية والتنمية الحضرية.
فعلى مدى سنوات، تحولت البلديات لمؤسسات "تشغيلية مثقلة"، فيما انشغل جزء كبير من جهدها "بملاحقة" الأبنية المخالفة الواقعة خارج ما يسمى بالأراضي المنظمة، على الرغم من منحها أحكام تنظيم من قبل هندسة البلديات، بحسبه.
 وتساءل، في تصريحات لـ"الغد"، عن كيفية منح الأراضي التي تقع خارج التنظيم أحكام بناء بحيث تصبح الأبنية، وحدود قطع الأراضي والشوارع الضيقة أمر واقع يصعب تغييره.
 وشدد على أن المطلوب اليوم هو قلب المعادلة حيث تتم التنمية عبر التنظيم، لا أن يكون التنظيم ردّ فعل للحاق "بالانفلات الحضري" (Urban Sprawl). وأكد، على أن الخرائط التنظيمية المدروسة يمكن أن تشكل مصدرا حقيقيا للإيرادات البلدية إذا ما رُبطت بالقيمة المتحققة من حسن التنظيم.
 وزاد، "فتنويع المناطق الحضرية بين ريف حضري، وتكثيف عمراني سكني وتجاري، واستعمالات صناعية، ومناطق حرفية، إضافة إلى مواقع محترمة للمقابر والحدائق، والمرافق العامة لا يحسّن المشهد العمراني فقط، بل يرفع قيمة الأرض، ونسب التحصيل، ويقلّل كلفة الخدمة".
 وفي موازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن حوكمة مالية دون "فضّ الاشتباك المؤسسي" القائم حاليا بين الجهات المصممة والمنفذة والمشغلة لشبكات الصرف الصحي، والتزويد بالمياه ضمن الطرق البلدية، برأيه. ولفت إلى أن "تعدد المرجعيات" أدى إلى "هدر مالي"، وتكرار أعمال تعبيد وتزفيت، وصيانة تتحملها البلديات.
 وقد يكون الحل، وفق له بحصر مسؤولية الطرق وما تحتها من بنية تحتية "بجهة مستقلة واحدة"، تتولى التصميم والتنفيذ والتشغيل، بما يضمن الكفاءة والاستدامة، على غرار ما هو متبع في كثير من الدول. وعندها فقط يمكن للبلديات أن تتفرغ لدورها الحقيقي وهو التنظيم وإدارة النمو الحضري، وصناعة الفرص الاستثمارية، كما ذكر.
لذلك ووفق ما يراه مجددا فإن خفض المديونية "إنجاز مالي مؤقت"، لكن استدامته تبدأ من "إصلاح الحوكمة"، وجعل التنظيم رافعة تنموية لا "عبئا إداريا".
ولتحقيق ذلك اقترح ضرورة وضع نظام تنظيم استعمال الأراضي رقم (1) لسنة 2026 موضع "التنفيذ الفعلي"، عبر نشر خريطة استعمالات الأراضي إلكترونية، وربطها بمخططات الأراضي، وتمكين المواطن من الاطلاع على تصنيف أرضه حسب كل منطقة.
وحذر مما أسماه "بالتكتم" على مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد لأنه لا "يخدم" الحوار المجتمعي، وسيفضي لقانون "مبتور" يُقَرّ على "عجالة" برفع الأيدي بآخر الدورة البرلمانية الحالية، بما "يقلل" من قبوله الشعبي، وخاصة في ظل وجود مجالس محافظات ومجالس بلدية معينة وغير منتخبة.
الانتقال من إدارة الأزمات إلى المعالجات الآنية
ويبدو أن خفض المديونية ركز على "التسويات المالية"، وبالدرجة الرئيسية عبر "تنازل" بنك تنمية المدن والقرى عن الفوائد، إلا أنه ومن منظور إداري إستراتيجي، ما زلنا بحاجة ماسة للانتقال من سياسة "الإدارة بالأزمات"، و"المعالجات الآنية" إلى المأسسة المالية المستدامة، وفق الخبير بالشأن البلدي د. أسامة العزام.
ولفت إلى أن الآليات الحالية يجب أن "تُعزز" بأنظمة تقنية "صارمة" في التحصيل والرقابة، ترفع "كفاءة" كل مورد مالي، وتمنع "الهدر" قبل وقوعه، مع ضرورة تفعيل دور المدير التنفيذي لضمان الانضباط الفني والمالي بعيدا عن أي "تجاذبات" قد تعيق العمل.
وشدد على أن الحديث عن خفض المديونية يجب ألا يغفل أهمية "جودة الإنفاق"؛ فالتراكمات المالية لم تكن "وليدة الصدفة"، بل نتيجة "غياب" لخطط التوازن المالي لسنوات طويلة.
وتاريخيا، وبحد قوله، كانت المديونية نتاج "تراكمات هيكلية"، و"غياب" للرؤية الاستثمارية، بحيث توزعت بين كلف تشغيلية مرتفعة، والتزامات لموردين وجهات خدمية، وحسابات مكشوفة "استُنزفت" لتغطية النفقات الملحة.
أما الانخفاض الحالي فبرأيه، فإنه يمثل خطوة "إيجابية" في تصحيح المسار، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في ضمان عدم ترحيل "الأزمات الميدانية"، مقابل تحسين السجلات ورقيا، "فالوجع الحقيقي" الذي عانت منه البلديات يكمن في "استنزاف" الموارد في بنود "استهلاكية" دون بناء أصول إنتاجية حقيقية للبلديات.
لكنه يؤكد على أنه لا يمكن وصف هذه الإجراءات "بالكافية" ما لم نعالج "النزف" في موازنات البلديات، والكامن في تضخم فاتورة الرواتب.
فمن "غير المقبول" إداريا أن "تلتهم" الرواتب النسبة الأعظم من موازنات البلديات، مما يحولها إلى وحدات إدارية "مستهلكة للسيولة" بدلا من كونها محركات للتنمية المحلية، كما أفاد.
وأشار إلى أن "الكفاية الحقيقية" تتحقق فقط عند إعادة هيكلة الكادر البشري وتوجيهه نحو الإنتاجية، وضمان أن يذهب الجزء الأكبر من الموازنة للخدمات المباشرة والتنمية، مع تحقيق نمو ملموس في الإيرادات الذاتية.
ودعا إلى مأسسة دراسة "الموازنة العادلة" التي نادى بها مرارا سابقا؛ وهي موازنة تُبنى على أساس الاحتياج الفعلي للميدان، وتضمن توزيعا عادلا للموارد بناء على معايير علمية مثل عدد السكان والمساحة، والبعد عن المركز، بعيدا عن أي اجتهادات شخصية لضمان الاستقرار.
 كما حث على ضرورة تبني "الموازنات التأشيرية" لعدة سنوات لضمان استقرار الإنفاق الرأسمالي، وديمومة المشاريع كما هو الحال في الموازنة العامة للدولة، مع التوقف التام عن التعيينات العشوائية التي استنزفت الموازنات سابقا.
 ولذلك فإن الاستدامة تتحقق بالرقابة التقنية الاستباقية التي تشخص "الانحرافات" المالية قبل "تفاقمها"، وتوجه الموارد نحو بناء أصول إنتاجية مستدامة تبعا لها. وأكد على أن القانون الجديد هو إطار حوكمة متكامل إذا تم استثماره بجدية؛ فهو يشرعن الشراكة مع القطاع الخاص، ويمنح البلديات فرصة للابتكار المالي، والتحول إلى وحدات اقتصادية منتجة ومستقلة. ولكنه اشترط لنجاح القانون أن يكون "مرهونا بتفعيل" بنود "المساءلة" المالية "بصرامة"؛ بحيث تصبح البلدية "مسؤولة" بشكل كامل عن استدامتها أمام مجتمعاتها. وأضاف أن القانون هو الأداة، والنجاح يعتمد على وجود "إرادة حقيقية" لتغيير "العقلية الإدارية التقليدية"، والتوجه نحو مشاريع تحقق القيمة المضافة مقابل المال العام.
تصريحات متناقضة
لكن التصريحات التي جاءت حول خفض المديونية كانت بالنسبة للخبيرة في الشأن البلدي م. رنا الحجايا "متناقضة" وتطرح تساؤلات حول مدى "دقة" الأرقام الصادرة عن وزارة الإدارة المحلية. واستندت في رأيها على أن آخر تقرير نشره بنك تنمية المدن والقرى كان يشير إلى أن 72 مليون دينار فقط قيمة الديون والقروض المترتبة على البلديات، في وقت لم تكن التصريحات الصادرة عن وزارة الإدارة المحلية مدعومة بتقارير مفصلة بشأن المديونية.
 وفي تأكيداتها لـ"الغد" فإن الآليات المتبعة لخفض المديونية التي أعلنت عنها الحكومة سابقا ضمن رؤية إصلاحية شاملة نفذتها بالتعاون مع بنك تنمية المدن والقرى لم تقدم حلولا لخفض العجز المالي المتراكم على البلديات.
 ومن بين هذه الآليات التي أُقرت سابقا إعفاء جزئي من الديون المتراكمة على البلديات، خاصة تلك المستحقة للمقاولين والبالغة 110 ملايين دينار، مع إعادة جدولة الديون المتبقية على فترات أطول وفوائد مخفضة، لتخفيف العبء الشهري على ميزانيات البلديات، بحسبها.
 إلا أنها ترى أن الإجراءات الحالية المتخذة تتسم بأنها قصيرة الأمد وجاءت لتخفيف الضغط المالي الفوري على البلديات، ومع ذلك، قد لا تكون كافية لأنها ليست طويلة المدى، ولا تشتمل على إصلاحات هيكلية أعمق. كما أنها، بحد قولها، تعتمد بشكل كبير على الإعفاءات الحكومية وجدولة الديون، التي قد تكون لفترة "مؤقتة"، لذلك إذا لم تُعالج الأسباب الجذرية للمديونية، مثل ضعف تحصيل الإيرادات، و"غياب" الحوكمة، قد تعود المديونية إلى الارتفاع مجددا.
 وشددت على أن الإجراءات تحتاج إلى استمرارية عبر تبني برامج رقابة وتطوير لقدرات العاملين كذلك. وباعتقادها فإن المؤشرات الرقمية لخفض المديونية تأتي "لتبرير" حل المجالس البلدية، و"التأخر" في الإعلان عن مسودة مشروع قانون حقيقي يعالج التحديات التي تواجه البلديات من جذورها.