الكويت: «الشرق الأوسط»
أسهم العمل المشترك بين السُّعُودية والكويت في الحد من تداعيات الحرب في منطقة الخليج، لا سيما بعد إغلاق مضيق هرمز، الذي يعدّ من أهم الممرات البحرية في العالم، ويمر من خلاله أكثر من 30 في المائة من التجارة العالمية، وذلك من خلال تنويع المسارات اللوجستية والبحث عن بدائل استراتيجية؛ لضمان استمرارية تدفق السلع وتأمين احتياجات الأسواق.
وشكَّل التكامل اللوجستي بين السعودية والكويت نموذجاً أرسى نواة صلبة نحو تأسيس منظومة تعاون خليجية أوسع تعمل على تحويل التحديات فرصاً. ومثَّل هذا التعاون واحداً من النماذج التي قدمتها المملكة لجيرانها الخليجيات للتغلب على الصعوبات التي خلّفتها الحرب وتهديد الملاحة في الخليج العربي، وفي مواجهة هذه التطورات الجيوسياسية، وبينها كذلك، الاعتداءات الإيرانية التي طالت الدول الخليجية كافة.
الموقع الجغرافي
وكانت الاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز للبلدين ركيزة استراتيجية في بناء شبكة تواصل متكاملة عزَّزت انسيابية السلع وقلَّلت التكاليف اللوجستية، وخلقت فرصاً واسعة لتوزيع الاستثمارات؛ ما منح زخماً نحو تسريع مشاريع التكامل الثنائي في ضوء ما تمتلكه المملكة من بنية تحتية متقدمة وموانئ على ساحلي الخليج العربي والبحر الأحمر، إلى جانب القدرات اللوجستية والاستثمارية للكويت؛ الأمر الذي عزَّز فرص تعزيز التعاون اللوجستي وتعميق التكامل بين الجانبين ورفع كفاءة سلاسل الإمداد وتسهيل تدفقات التجارة الإقليمية والدولية.
وفي تقرير لـ«وكالة الأنباء الكويتية»، أكد راكان العطيشان، رئيس اللجنة الوطنية اللوجستية في اتحاد الغرف السعودية، الأربعاء، أن مستقبل التعاون والشراكة اللوجستية بين البلدين كبير وواعد.
وشدد العطيشان على إمكانية تحقيق تكامل استراتيجي على جميع الصعد، خاصة في الجانب اللوجستي من خلال الربط السككي والبري والبحري والجوي، بالإضافة إلى الاستثمار في المناطق اللوجستية في المنطقة الشرقية أو الغربية؛ لتكون مراكز ومستودعات لتخزين البضائع للقطاع الخاص، سواء للمستثمرين الكويتيين أو غيرهم، بما يسهم في مواجهة أي تحديات مستقبلية في سلاسل الإمداد.
خطوات استباقية
وقال العطيشان إن دول مجلس التعاون الخليجي أثبتت امتلاكها خطوات استباقية واضحة في مجال استدامة سلاسل الإمداد عبر خطط متكاملة لمواجهة أي تحديات محتملة قد تؤثر على انسيابية الحركة التجارية، وهذا يعكس مستوى عالياً من الجاهزية والاستعداد.
وأضاف أنه من أبرز الدروس المستفادة عدم وضع جميع الموارد في مسار واحد، بل إيجاد خطوط بديلة، من أهمها الوجود على موانئ البحر الأحمر من خلال مراكز لوجستية ومستودعات للتخزين الاستراتيجي.
وذكر أن الاستثمار في المستودعات والأمن الغذائي والتخزين من قِبل شركات القطاع الخاص لدول الخليج في موانئ البحر الأحمر والمملكة والمنطقة الشرقية سيساعد على تقليل التكاليف ومعالجة أي تحديات مستقبلية قد تؤثر على سلاسل الإمداد في الخليج العربي أو مضيق هرمز.
منظومة لوجستية إقليمية
من جانبه، أوضح رباح الرباح، المدير العام لغرفة تجارة وصناعة الكويت، أن ملامح التكامل اللوجستي بين الكويت والسعودية في هذه المرحلة تتمثل في الانتقال من مجرد تسهيل عبور السلع بين دولتين إلى بناء منظومة لوجستية إقليمية متكاملة تجمع بين الموانئ والنقل البري والجوي مع التوجه نحو الربط السككي مستقبلاً.
وأكمل الرباح أن مستقبل الشراكة اللوجستية بين البلدين لن يقتصر على تسهيل تدفق السلع، بل سيتجه نحو إعادة تشكيل أنماط التجارة وتوزيع الأدوار اللوجستية في المنطقة بما قد يحولهما معاً محوراً رئيسياً ضمن شبكة تجارة إقليمية أكثر مرونة وتكيفاً مع المتغيرات العالمية.
وذكر أن هذا التكامل يتبلور في تنامي دور الموانئ السعودية كمراكز إقليمية لإعادة التوزيع وتحسين كفاءة المنافذ البرية وتسهيل الإجراءات الجمركية بما يقلل زمن العبور ويعزز انسيابية التجارة.
وبيَّن أن الشراكة اللوجستية الثنائية ساعدت على تقليل تداعيات أزمة سلاسل الإمداد، حيث خففت مخاطر النقص الفوري عبر إتاحة إعادة توجيه السلع عند تعطل بعض المسارات البحرية، وكذلك مخاطر الارتفاع الحاد في التكاليف؛ الأمر الذي يوسع خيارات الوصول ويقلل الاعتماد على قناة واحدة، علاوة على تخفيفها لمخاطر الذعر في الأسواق.
تنويع المسارات التجارية
وحسب الرباح، فإن التعاون في الموانئ السعودية سيسهم في فتح مسارات تجارية جديدة للكويت كتحول استراتيجي يضع الدولة ضمن شبكة التجارة الإقليمية من خلال منظومة أوسع وبكفاءة أعلى وعبر مسارات مختلفة، مؤكداً أن تنويع المسارات التجارية أصبح ضرورة وليس خياراً في ظل دروس الأزمات العالمية، ومنها جائحة «كوفيد - 19».
وأكد أن الأثر الكامل للتعاون اللوجستي سيظهر بشكل أكبر مع تقدم مشاريع الربط السككي بين الكويت والسعودية، حيث يمثل النقل السككي عاملاً حاسماً في تعزيز كفاءة الممرات التجارية وخفض التكاليف وزيادة القدرة الاستيعابية لنقل البضائع، وعند اكتمال هذا الربط سيتحول التعاون الحالي من مجرد مسارات بديلة إلى ممرات تجارية رئيسية تعيد تشكيل تدفقات التجارة في المنطقة.
وتطرق الرباح إلى إمكانية تحويل هذا التعاون الثنائي نموذجاً خليجياً أوسع في مجال سلاسل الإمداد من خلال بناء إطار مؤسسي متكامل لإدارة سلاسل الإمداد على مستوى إقليمي وعبر توحيد وتنسيق الإجراءات الجمركية وربط الأنظمة الرقمية لتبادل البيانات بين المنافذ وتبسيط متطلبات العبور، بما يقلل زمن التخليص ويرفع كفاءة حركة السلع، فضلاً عن تعزيز الربط المادي بين الدول الخليجية عبر تطوير الممرات اللوجستية المشتركة.
سلاسل الإمداد
وتابع أن نجاح النموذج الكويتي - السعودي سيشكل نواة لمنظومة خليجية أوسع قائمة على تكامل البنية التحتية وتوحيد الإجراءات وتعزيز الحوكمة المشتركة لسلاسل الإمداد بما يحوّل المنطقة منصة لوجستية إقليمية متكاملة، متوقعاً أن تشهد هذه الشراكة خلال السنوات المقبلة مزيداً من العمق مدفوعة بالحاجة إلى تعزيز أمن الإمداد وتقليل مخاطر الانقطاع، إلى جانب التوسع في البنية التحتية اللوجستية في المملكة؛ وهذا ما يوفر للكويت فرصة للاندماج ضمن شبكة إقليمية أوسع، ويتم ذلك من خلال الاتجاه إلى الموانئ المطلة على البحر الأحمر.
وتعزيزاً لهذا التوجه؛ أكدت زيارة وفد ميناء نيوم السعودي إلى الكويت مؤخراً أهمية الدفع نحو تعزيز الشراكة بين الجانبين في مجالات الاستيراد والتصدير والعمل على بناء منظومة متكاملة لسلاسل الإمداد بينهما إلى جانب تطوير خطوط تجارية أكثر كفاءة واستدامة.
الكفاءة التشغيلية
وعلى صعيد المؤشرات الداعمة للتعاون الثنائي، تعكس الكفاءة التشغيلية للمنافذ البرية تصاعد وتيرة التكامل بين الجانبين، حيث أظهرت إحصائيات نشرتها قناة «الإخبارية» السعودية نشاطاً مكثفاً لحركة الشاحنات عبر المنافذ الحدودية خلال الفترة من 28 فبراير (شباط) وحتى التاسع من أبريل (نيسان)، من خلال تسجيل منفذ الخفجي عبور 19511 شاحنة، في حين بلغ إجمالي الشاحنات المغادرة عبر منفذ الرقعي 9417 شاحنة؛ ما يؤكد الدور المهم لهذين المنفذين في تيسير سلاسل الإمداد.
وفي موازاة الدور الذي تؤديه المنافذ البرية، يبرز النقل الجوي مساراً مكملاً يعزز من المنظومة اللوجستية الثنائية؛ إذ أثبت قطاع الطيران والشحن الجوي كفاءته العالية في مواجهة التحديات الأخيرة من خلال تفعيل مسارات بديلة لشركتي «الخطوط الجوية الكويتية» و«طيران الجزيرة» عبر مطاري الدمام والقيصومة في المملكة، بما يضمن استمرارية عمليات السفر ونقل البضائع بسلاسة قبل أن تستأنف الشركتان نشاطهما انطلاقاً من دولة الكويت مؤخراً.
وإجمالاً، فإن هذا التكامل الثنائي على مختلف المسارات والقطاعات يشكل نموذجاً للشراكة الاستراتيجية من خلال توظيف طاقات البلدين في بناء منظومة جاذبة لكبرى الشركات العالمية، وداعمة لاستقرار الاقتصادين الإقليمي والدولي.