أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    17-Jan-2026

المنخفض الجوي الأخير يعيد للواجهة جاهزية التخطيط العمراني لمواجهة التغير المناخي

 الغد-محمد الكيالي

 شهدت العاصمة عمّان خلال المنخفض الجوي الأخير هطولات مطرية غزيرة، كشفت عن ثغرات واضحة في البنية التحتية، حيث غرقت بعض المباني السكنية بخاصة تلك المقامة على أراض زراعية أو مناطق غير مهيأة عمرانيا. 
 
 
وأعاد هذا المشهد للواجهة جدلا حول مدى جاهزية التخطيط العمراني لمواجهة الظروف المناخية القاسية، كما أبرز الحاجة لتقييم علمي دقيق للأثر الجيولوجي لمثل هذه المشاريع  بخاصة في ظل ما ظهر من مخاطر الغرق والانهيارات وتجمع المياه في مناطق منخفضة.
ومن هنا، يبرز السؤال حول كيفية تفادي تكرار المشكلات ذاتها مستقبلا مع تزايد احتمالية تعرض العاصمة لأمطار غزيرة غير متوقعة بفعل التغيرات المناخية. 
وبحسب خبراء، فإن معالجة هذه الإشكاليات لا تقتصر على الحلول الهندسية التقليدية بل تتطلب رؤية علمية متكاملة تستند للدراسات الجيولوجية والهيدرولوجية، وتضع أسسا واضحة لتخطيط عمراني أكثر مرونة قادر على حماية البنية التحتية وضمان سلامة السكان أمام التحديات المناخية المقبلة.
تخطيط عمراني شامل
وفي هذا السياق، أكد نقيب المهندسين عبدالله غوشة، إن أزمة غرق بعض المباني السكنية خلال المنخفض الجوي الأخير لا ترتبط مباشرة بتصنيف الأراضي أو نوعية التنظيم العمراني، سواء كانت مناطق سكنية من فئة "ج" أو تجارية أو صناعية. 
وأوضح في حديثه لـ"الغد" أن جوهر المشكلة يكمن في التخطيط العمراني الشامل الذي يجب أن يتضمن شبكات متكاملة من الشوارع والصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، وليس في طبيعة الاستخدام أو تصنيف الأرض.
وشدد على أن الأصل عند إعداد أي مخطط عمراني جديد هو استكمال البنية التحتية اللازمة، بما في ذلك شبكات التصريف والدراسات الخاصة بالمناطق الخضراء، التي ينبغي أن تشكل ما نسبته 33 % من مساحة أي قطعة أرض كبيرة. 
وأضاف، "هذه المساحات الخضراء تلعب دورا محوريا بامتصاص كميات من مياه الأمطار، إلى جانب أهمية شبكات التصريف التي تعتبر خط الدفاع الأول في مواجهة السيول".
وفي معرض حديثه عن الحلول، أشار غوشة إلى أن هناك إجراءات تقليدية لا غنى عنها مثل إنشاء العبارات الصندوقية ومد الأنابيب، لكنها وحدها لا تكفي. 
وتابع: "يجب أن تصمم هذه الحلول لمواجهة هطولات مطرية قد تتكرر على فترات طويلة تصل إلى 25 أو حتى 100 عام"، مضيفا أن هناك حلولا حديثة تُعرف بمفهوم "مناعة المدن" أو "المدن الإسفنجية" تقوم على إيجاد مناطق خاصة تعمل على تقليل معدلات جريان المياه وتشكل بمثابة مصدات طبيعية قبل وصول السيول إلى ذروتها.
وشدد على أن زيادة الرقعة الخضراء تعتبر جزءا أساسيا من هذه الحلول، إلى جانب إيجاد مصدات لتقنين جريان المياه والسيطرة على اندفاعها.
وفيما يتعلق بغرق طوابق التسوية ومواقف السيارات في عدد من العمارات السكنية والتجارية، أوضح، بأن هناك سببين رئيسين لهذه الظاهرة: الأول أن بعض المباني تقع بالقرب من مجاري طبيعية لمياه الأمطار في ظل غياب شبكات تصريف فعالة في الشوارع المحيطة، ما يؤدي إلى تجمع المياه في أدنى نقطة وهي طوابق التسوية. 
أما السبب الثاني، بحسب غوشة، فيتمثل بضعف كفاءة المضخات الغاطسة المخصصة لسحب المياه من الطوابق السفلية إلى الشارع، حيث تتعطل في كثير من الحالات.
وبيّن أن الحل يكمن في إلزام المشاريع بوجود مضخة "غاطسة" إضافية احتياطية تعمل تلقائيا عند تعطل المضخة الأساسية لضمان استمرار عملية التصريف.
وأكد، أهمية إدارة العمارات السكنية وفق ما نص عليه قانون الملكية العقارية، بحيث تتولى هذه الإدارة أعمال الصيانة الدورية خصوصا للمضخات الغاطسة. 
وقال إن غياب الصيانة، يؤدي لتعطل هذه الأجهزة في أوقات الهطول المطري الغزير ما يفاقم مشكلة تجمع المياه في الطوابق السفلية.
إلزام المشاريع بدراسات جيولوجية قبل الترخيص
بدوره، أكد نقيب الجيولوجيين خالد الشوابكة، أن المنخفض الجوي الأخير وما رافقه من أمطار غزيرة كشف عن ثغرات واضحة بالتخطيط العمراني، بخاصة فيما يتعلق بالمشاريع السكنية المقامة على أراضٍ زراعية أو غير مهيأة عمرانيا. 
وأوضح الشوابك، إن هذه التحولات باستخدام الأراضي تحمل مخاطر بيئية وجيولوجية جسيمة إذا لم تسبَق بدراسات ميدانية دقيقة، مشيرا إلى أن الانتقال من الاستخدام الزراعي إلى العمراني دون تقييم جيولوجي وهيدرولوجي شامل يؤدي لتغير بمعدلات تصريف المياه السطحية وتجمّعها في المنخفضات الطبيعية، فضلا عن إضعاف التربة نتيجة إزالة الغطاء النباتي وتبدل خواصها الميكانيكية، ما يزيد من احتمالية الانزلاق والانهيار في المناطق المنحدرة. 
وقال، إن زيادة الضغط على الطبقات السطحية بفعل المياه الجوفية قد تنعكس على هشاشة الأساسات وضعف البنية التحتية.
وأضاف، إن الأراضي غير المهيأة عمرانيا غالبا ما تفتقر لشبكات صرف صحي ومناسيب تصريف محسوبة، الأمر الذي يجعلها عرضة للغرق خلال فترات الهطول الغزير، خصوصا في المناطق المنخفضة أو القريبة من مجاري السيول.
وأوضح، إن ما شهده الأردن مؤخرا من غمر للتربة وانجرافات وانزلاقات ببعض المناطق يعكس بوضوح وجود فجوة بين توسع الاستخدامات العمرانية وبين تقييم المخاطر الجيولوجية والهيدرولوجية قبل منح تراخيص البناء. 
وشدد على أن الآثار الجيولوجية للبناء في مثل هذه المواقع قد تكون كارثية إذا لم تُراع الخصائص التكوينية للتربة، خطوط المجاري المائية ومناسيب المياه الجوفية، إضافة إلى الاستجابة للهطولات المطرية العالية وهي جميعها معايير أساسية في أي تقييم هندسي جيولوجي قبل الشروع في تنفيذ المشاريع العمرانية.
وفي معرض حديثه عن التوصيات، بيّن نقيب الجيولوجيين أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب أولا تعزيز إطار التخطيط والتقييم، وذلك عبر إلزام جميع المشاريع العمرانية بإجراء دراسات جيولوجية وهيدروجيولوجية قبل الترخيص، خصوصا في المناطق القريبة من مجاري السيول أو على المنحدرات الطبيعية والوديان، وكذلك في الأراضي ضعيفة القوام أو المتآكلة. 
ودعا إلى اعتماد خرائط جيولوجية وهيدرولوجية محدثة تتضمن محددات المخاطر الطبيعية مثل التعرية والانجراف والسيول، لتكون أساسا للتخطيط العمراني المستقبلي.
أما في ما يتعلق بإدارة مياه الأمطار، فقد شدّد الشوابكة على ضرورة تصميم وتنفيذ شبكات صرف صحي ومياه أمطار مرنة وفعالة قادرة على استيعاب هطولات غير مسبوقة مع إدماج حلول مستدامة مثل الباحات الممتصة وزيادة التشجير لتقليل معدلات الجريان السطحي.
وأكد أيضا أهمية إنشاء أنظمة إنذار مبكر تعتمد على رصد الأمطار ومستويات المياه وربطها بخطط استجابة سريعة وفعالة.
وفي جانب الرقابة والتطبيق، أوضح الشوابكة بأن النقابة ترى ضرورة فرض معايير البناء الجيولوجي والهيدرولوجي بصرامة عبر لجان فنية مشتركة تضم النقابة والهيئات الرقابية والمكاتب الاستشارية المرخصة، إلى جانب مراجعة وتحديث الكودات والمعايير الوطنية للبناء بحيث تشمل متطلبات تقييم مخاطر السيول والانهيارات الأرضية كشرط أساسي في المخططات التفصيلية.
وشدد على أن مواجهة آثار الأمطار الغزيرة ومخاطرها على البنية التحتية ليست قضية هندسية بحتة، بل هي مسألة علمية متكاملة تستند إلى المعرفة الجيولوجية والهيدرولوجية كأساس لتخطيط الاستخدام الأمثل للأراضي، وبناء بنية تحتية مرنة قادرة على مواجهة التحديات المناخية المتزايدة في المستقبل.