الغد-إبراهيم المبيضين
أكد خبراء في قطاع الريادة والتقنية أن حصول الصندوق الأردني للريادة في مرحلته الأولى على أعلى درجات تقييم البنك الدولي لأداء الصناديق التي يستثمر فيها حول العالم، يعد بمثابة شهادة دولية رفيعة المستوى تعكس كفاءة استثنائية في الأداء والحوكمة.
وبين الخبراء أن هذه الشهادة الدولية، رفيعة المستوى، لا تعد مجرد رقم في سجلات التقارير، بل هي اعتراف بكفاءة استثنائية في الأداء والحوكمة، وضعت الصندوق في مصاف النماذج التمويلية الأكثر انضباطاً وتأثيراً ضمن محفظة البنك الدولي.
وبينوا أن هذا التقييم يظهر نجاح الصندوق الأردني للريادة في تقديم نموذج متطور لـ"التدخل الحكومي الذكي"، فلم يقتصر دوره على كونه أداة تمويل، بل عمل كمهندس لإعادة هيكلة سوق رأس المال الجريء في الأردن.
وكان الصندوق الاردني للريادة قد أعلن أخيرا نتائج تقرير “تقييم إنجاز التنفيذ والنتائج “(ICR) الصادر عن البنك الدولي والذي منح أداء الصندوق تصنيف “مرضٍ للغاية”(Highly Satisfactory) وهو الفئة الأعلى في معايير تقييم البنك الدولي.
وأكد الصندوق الأردني للريادة أن تقرير البنك الدولي، الذي أُنجز في نهاية شهر آذار (مارس) الماضي عن نتائج المرحلة الأولى من مسيرة الصندوق (لغاية 2025)، هو بمثابة “توثيق” لنجاح المؤسسة في تجاوز المستهدفات التشغيلية والاستثمارية رغم التحديات، وعكس الإنجاز المميز لهذه المؤسسة الأردنية التي ساهم فيها البنك الدولي من خلال اتفاقية التمويل مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي والاستثمار المباشر من البنك المركزي الأردني والذي أثرت إيجاباً في تطوير وتنمية منظومة الاستثمار في رأس المال الجريء المحفز الرئيسي لبيئة ريادة الأعمال الأردنية.
الرئيس التنفيذي للصندوق الأردني للريادة محمد المحتسب قال "قراءة التقرير، تظهر عدة عناصر صنعت الفرق في تجربة الصندوق الاردني للريادة اولها الحوكمة المهنية إذ أُنشئ الصندوق كشركة مساهمة خاصة مستقلة محوكمة وفقاً لافضل المعايير الدولية في إدارة الصناديق الاستثمارية إضافة إلى مهنية في اختيار وهيكيلة الاستثمار والشركاء وإدارة المخاطر واعتماد معايير البنك الدولي في الامتثال والتدقيق الداخلي".
وقال المحتسب "عمل الصندوق تركز بدوره كمستثمر محفز يجذب الاستثمار الخاص ولكن لا يحل مكانه او يزاحمه في السوق إضافة إلى دعم منظومة ريادة الاعمال التي لا تقتصر على الاستثمار فقط" مبينا ان الصندوق خصص في مراحله الاولى مبلغ 4.6 مليون دولار لخدمات تطوير الأعمال والجاهزية الاستثمارية وبرامج الحاضنات والمسرّعات.
كما لفت إلى إطلاق “منصة الشركات الناشئة” بالشراكة مع جمعية إنتاج لتكنولجيا المعلومات ووزارة الاقتصاد الرقمي والريادة.
وأضاف أن أحد عناصر نجاح الصندوق بحسب البنك الدولي تمثل في انفتاح على رأس المال الإقليمي والدولي وتكوين محفظة صناديق عالية الأثر والخبرة إذ أسهم الصندوق عبر اتفاقيات وصفقات استثمار بجذب صناديق لم تكن عاملة في الأردن للاستثمار في الشركات الأردنية، والنتيجة كانت مضاعفة مبالغ استثمارات الصندوق من خلال منظومة محفظة صناديق راس المال الجريء بمعدل 2.5 ضعف في شركات أردنية ، لافتاً الى ان هذه السياسة الاستثمارية المنضبطة اثبتت قوة جذب لصناديق ما كانت لتستثمر في الأردن
الكاتب الاقتصادي د. رعد التل يرى أن تقرير البنك الدولي حول الصندوق الأردني للريادة يمثل شهادة دولية رفيعة المستوى، إذ منح الصندوق تصنيف "مرضٍ للغاية" وهو الأعلى عالمياً، ما يعكس كفاءة استثنائية في الأداء والحوكمة تندر ممارستها في تصنيفات الصناديق التابعة للبنك.
وأوضح أن أهمية هذا التقرير لا تقتصر على كونه تقييماً لبرامج تمويلية، بل يمثل قراءة إستراتيجية لكيفية معالجة اختلال هيكلي مزمن في الاقتصاد الأردني، عبر ردم الفجوة التمويلية التي لطالما أعاقت الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، مشدداً على ضرورة تعميم هذه التجربة لقدرتها على إحداث أثر تنموي مستدام في السوق المحلي.
واضاف "التقرير لا يكتفي بعرض النتائج، بل يتضمن إشادة واضحة بدور الصندوق وضرورة تعميم تجربته وقدرته على إحداث أثر مستدام في السوق".
وبين التل أنه وفقا لنتائج التقرير الدولي فالصندوق الأردني للريادة يعد " نموذجاً استثنائياً في التحول من الدعم التقليدي المباشر" إلى دور "المحفز الاستراتيجي" للسوق؛ إذ نجح برأسمال قدره 98 مليون دولار —بمساهمة مشتركة من البنك الدولي والبنك المركزي الأردني— في صياغة آلية مبتكرة لتقاسم المخاطر مع القطاع الخاص، وهذا النهج لم يكتفِ بضخ السيولة، بل ركز على بناء بيئة استثمارية جاذبة تشجع أصحاب رؤوس الأموال على دخول مجال الاستثمار المخاطر بثقة أكبر.
وأشار الى أن الأرقام ترجمت انجاح هذه الرؤية بوضوح، إذ استطاع الصندوق استقطاب استثمارات خاصة بلغت 108.9 مليون دولار، محققاً معدل مضاعفة استثنائي يصل إلى ثلاثة أضعاف لكل دولار مستثمر ومن خلال توظيف 51 مليون دولار في قنوات استثمارية متنوعة، ساهم الصندوق في تفعيل منظومة استثمارية كبرى تجاوزت قيمتها 338 مليون دولار، مما يعكس كفاءة الشراكة بين المؤسسات الدولية والوطنية في دفع عجلة الاقتصاد الريادي.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه الأرقام وفقا للتل لا تكمن في حجمها فقط، بل في طبيعة الأثر الذي تعكسه، فقد أظهر المشروع ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”الأثر الإضافي”، حيث ساهم في جذب استثمارات لم تكن لتدخل السوق الأردني في الظروف الطبيعية، وهذا يعني أن دور الصندوق لم يقتصر على التمويل، بل امتد إلى إعادة تشكيل سلوك المستثمرين وتقليل درجة المخاطر المدركة.
وعلى مستوى أعمق، أشار التل الى انه يمكن قراءة هذه التجربة في إطار معالجة فشل السوق، حيث أثبتت أن القطاع المالي التقليدي لم يكن قادرا بطبيعته على تمويل الابتكار في مراحله المبكرة، والتدخل هنا لم يكن بديلا عن السوق، بل جاء لإعادة تفعيله، وهو ما يفسر قدرة الصندوق على جذب القطاع الخاص بدلا من مزاحمته.
على مستوى الشركات، قال التل ان التقرير الدولي بين نجاح الصندوق في بناء محفظة استثمارية قوية تضم 160 شركة ناشئة، توزعت بين استثمارات مباشرة في 25 شركة، واستثمارات غير مباشرة عبر صناديق الشركاء شملت 135 شركة. كما لعب الصندوق دوراً محورياً كقوة جاذبة لرؤوس الأموال بجلبه 22 صندوقاً استثمارياً جديداً إلى السوق الأردني.
ورغم التحديات التي واجهت الاقتصاد الأردني خلال فترة التنفيذ، بما في ذلك جائحة كورونا، أظهر الصندوق قدرة واضحة على تعزيز مرونة الاقتصاد، حيث تمكنت الشركات المدعومة من التكيف، خاصة في القطاعات الرقمية بحسب التل.
ويشير التقرير إلى أن الطلب على التمويل ما يزال مرتفعا، حيث يتوقع أن يتراوح بين 234 مليون دولار و885 مليون دولار خلال الفترة 2025–2030 لتعكس هذه الأرقام استمرار الفجوة التمويلية، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى وجود فرصة حقيقية لنمو هذا السوق كما تبرز التجربة الأردنية كنموذج قابل للتكرار في دول أخرى تواجه تحديات مشابهة، ما يمنحها بعدا يتجاوز الإطار المحلي إلى الإقليمي.
وقال خبير التحول الرقمي وريادة الأعمال م.هاني البطش "ما حققه الصندوق الأردني للريادة (ISSF) يتجاوز كونه أداة تمويل، ليشكل نموذجًا متقدمًا لتدخل حكومي ذكي أعاد هيكلة سوق رأس المال الجريء في الأردن، ورسّخ مكانة المملكة كبيئة جاذبة للاستثمار في الابتكار ويأتي التقييم الدولي، وعلى رأسه تقييم البنك الدولي، ليؤكد أن هذا النموذج لم ينجح محليًا فحسب، بل أصبح مرجعًا عالميًا قابلًا للتكرار".
وقال البطش "في سياق اقتصادي عالمي يتجه نحو تعزيز الابتكار وريادة الأعمال كمحركات للنمو، يبرز الصندوق الأردني للريادة كنموذج عملي لتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، فقد منح البنك الدولي الصندوق أعلى تصنيف ضمن إطار تقييمه، وهو “Highly Satisfactory”، ما يضعه ضمن الفئة العليا عالميًا من حيث الأداء والأثر، هذا التقييم لم يكن شكليًا، بل استند إلى معايير دقيقة شملت الأهمية الاقتصادية، الفعالية، كفاءة الإدارة، وجودة المتابعة والتقييم، حيث حصل الصندوق على تقييم “High” في معظم هذه المحاور ".
وأضاف البطش "يؤكد تقرير البنك الدولي أن الصندوق لم يحقق أهدافه فقط، بل تجاوزها في عدة مؤشرات رئيسية، خاصة في توسيع الوصول إلى التمويل في المراحل المبكرة للشركات الناشئة، وهي المرحلة الأكثر خطورة والأقل تمويلاً في أي اقتصاد ناشئ. كما اعتبر التقرير أن ISSF يمثل “تدخلًا منشئًا للسوق” (Market-Creating Intervention)، وليس مجرد أداة تمويل، إذ نجح في تقليل فجوات السوق وتحفيز الاستثمار الخاص دون إزاحته، وهو ما يعد من أفضل نماذج التمويل المختلط عالميًا ".
واكد ان الأثر الكمي للصندوق يعكس هذا النجاح بوضوح عندما دعم الصندوق نحو 160 شركة ناشئة أردنية، واستقطب 22 صندوق استثماري إلى السوق المحلي، ونجح في تعبئة ما يقارب 109 مليون دولار من الاستثمارات الخاصة، متجاوزًا الأهداف المحددة مسبقًا. كما أظهر الصندوق قدرة عالية على تعظيم الأثر الاستثماري، حيث ساهم في توليد منظومة استثمارية بلغت قيمتها الإجمالية نحو 338 مليون دولار عبر الشراكات مع صناديق رأس المال الجريء".
وأوضح البطش ان من أبرز ما أشار إليه تقييم البنك الدولي هو الأثر المؤسسي العميق للصندوق، إذ ساهم في بناء بنية تحتية متكاملة لسوق رأس المال الجريء في الأردن، شملت تطوير معايير الحوكمة، وتحسين جودة عمليات التقييم الاستثماري، وتعزيز ثقة المستثمرين الدوليين بالسوق الأردني. كما لعب الصندوق دور “المحفّز الأول” (First Mover)، حيث مكن دخول صناديق استثمار لم تكن تعمل سابقًا في الأردن، ما عزز تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى السوق المحلي.
وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، يرى البطش ان الصندوق نتائج ملموسة، حيث ساهم في توفير أكثر من 2,600 فرصة عمل مباشرة، وما يصل إلى 10,000 فرصة عمل غير مباشرة، مع تركيز واضح على تمكين الشباب والنساء، إذ بلغت نسبة الشركات التي يقودها شباب 56 % ونسبة المشاركة النسائية 37 %. هذه الأرقام تعكس ليس فقط نجاحًا استثماريًا، بل أثرًا تنمويًا متكاملًا.
ورغم هذه النتائج المتميزة، قال البطش "تقرير البنك الدولي الضوء على فرصة استراتيجية مهمة، تتمثل في استمرار وجود فجوة تمويلية تتراوح بين 234 مليون و885 مليون دولار خلال الفترة 2025 - 2030، ما يشير إلى أن الطلب على الاستثمار في الشركات الناشئة ما يزال في نمو متسارع، وهذه الفجوة تمثل تحديًا، لكنها في الوقت ذاته فرصة لتوسيع دور الصندوق وتطوير أدوات استثمارية جديدة".
ولخص البطش قائلا: " يؤكد تقييم البنك الدولي أن الصندوق الأردني للريادة لم يكن مجرد برنامج تمويل ناجح، بل نموذجًا عالميًا في استخدام رأس المال العام لتحفيز الأسواق وبناء منظومات اقتصادية مستدامة والمرحلة القادمة تتطلب البناء على هذا النجاح عبر توسيع نطاق الاستثمار، وتعزيز التكامل مع استراتيجيات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، بما يرسخ موقع الأردن كمركز إقليمي للابتكار والاستثمار في الاقتصاد الرقمي".
ومن جانبه، قال خبير التقنية والاتصالات وصفي الصفدي " التجربة الأردنية في استقطاب رأس المال الجريء تظهر أن الفرصة لم تعد كامنة في “التمويل” بحد ذاته، بل في القدرة على تحويل هذا التمويل إلى سوق مستدام قائم على الابتكار".
وقال الصفدي "الأرقام تعكس بوضوح أن الأردن نجح في كسر حلقة نقص الاستثمار المبكر عبر تدخلات ذكية، حيث تم حشد أكثر من 109 مليون دولار من رأس المال الخاص، وتفعيل منظومة تضم عشرات الصناديق والشركات الناشئة". وبين أن هذه الديناميكية تتقاطع مع مزايا هيكلية مهمة، أبرزها رأس المال البشري المؤهل، والقدرة على إنتاج حلول رقمية قابلة للتوسع إقليميًا، إضافة إلى موقع جغرافي يربط أسواق الخليج بالمشرق ، ومع تسارع التحول الرقمي عالميًا، تتعزز فرص الأردن في قطاعات مثل التكنولوجيا المالية، والصحة الرقمية، والتعليم الإلكتروني، وهي مجالات أثبتت قدرتها على جذب الاستثمار وتحقيق النمو".
في المقابل، اكد الصفدي انه ما تزال التحديات ذات طبيعة هيكلية أكثر منها تمويلية محدودية آليات الخروج/التخارج تمثل أحد أبرز العوائق أمام تدفق الاستثمارات الكبيرة، إلى جانب الحاجة إلى تطوير الأطر التشريعية المرتبطة بصناديق الاستثمار وحماية المستثمرين.
وأوضح أن المنافسة الإقليمية، خصوصًا من أسواق الخليج التي تضخ رؤوس أموال ضخمة، تفرض على الأردن التحرك بسرعة أكبر لتعزيز جاذبيته ويضاف إلى ذلك فجوة في جاهزية بعض الشركات الناشئة للاستثمار، سواء من حيث الحوكمة أو القدرة على التوسع، وهو ما يشير إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد في توفير رأس المال، بل في رفع جودة الفرص الاستثمارية نفسها.