أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    20-Jan-2026

حوادث السير .. خسائر بشرية وأعباء اقتصادية متزايدة*د. ميشلين ظاهر نويصر

 الراي 

لم تعد حوادث السير في الأردن مسألة عابرة تُختصر في أرقام تُنشر ضمن تقارير رسمية أو أخبار سريعة في وسائل الإعلام، بل أصبحت قضية وطنية حقيقية تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر، وتلقي بظلالها الثقيلة على المجتمع والاقتصاد معًا. فكل حادث سير، قبل أن يكون خسارة مادية، هو مأساة إنسانية كاملة الأركان، وكل رقم في الإحصاءات يخفي وراءه قصة أسرة فقدت فردًا عزيزًا، أو مصابًا انقلبت حياته وحياة من حوله رأسًا على عقب.
 
وتشير الإحصاءات السنوية إلى تسجيل الآلاف من الحوادث المرورية في مختلف أنحاء المملكة، تتفاوت في شدتها ونتائجها، لكنها تشترك جميعًا في كلفتها المرتفعة. وهذه الكلفة لا تقتصر على الخسائر المباشرة مثل إصلاح المركبات أو علاج المصابين، بل تتجاوز ذلك لتشمل أعباء طويلة الأمد تتحملها الدولة والمجتمع، كتكاليف إعادة التأهيل، والإعاقات الدائمة، وتعويضات التأمين، فضلًا عن خسارة الطاقات البشرية القادرة على الإنتاج والعطاء.
 
من الناحية الاقتصادية، تشكل حوادث السير نزيفًا صامتًا ومستمرًا للاقتصاد الوطني. فإصابة شاب في مقتبل العمر أو رب أسرة بعجز دائم تعني خروج عنصر فاعل من سوق العمل، وما يرافق ذلك من تراجع في دخله ودخل أسرته، وزيادة في الاعتماد على الدعم والمساعدات. كما تتحمل المستشفيات والمؤسسات الصحية الحكومية عبئًا متزايدًا نتيجة استقبال مئات المصابين سنويًا، الأمر الذي يضغط على الموازنات العامة ويحدّ من القدرة على تحسين وتطوير خدمات أساسية أخرى يحتاجها المواطنون.
 
ومن وجهة نظري الشخصية، فإن جوهر المشكلة في ملف حوادث السير في الأردن لا يكمن في ضعف القوانين أو نقص الإمكانيات بقدر ما يكمن في ضعف الالتزام بها. فكثير من الحوادث لا تنتج عن ظروف قاهرة أو أخطاء لا يمكن تفاديها، بل عن سلوكات خاطئة ومتكررة، مثل السرعة الزائدة، والتجاوز الخاطئ، واستخدام الهاتف النقال أثناء القيادة، وعدم احترام أولوية الطريق. وهذه السلوكات تعكس خللًا واضحًا في الثقافة المرورية، أكثر مما تعكس خللًا في البنية التحتية أو التشريعات وقوانين السير.
 
ولا يمكن تجاهل الآثار غير المباشرة لحوادث السير على قطاعات اقتصادية أخرى، مثل النقل والتجارة والسياحة. فإغلاق الطرق بسبب الحوادث، وتأخير الشحنات، وتعطيل الحركة اليومية، كلها عوامل ترفع كلف التشغيل وتخفض مستوى الإنتاجية. كما تتحمل شركات التأمين خسائر متزايدة نتيجة ارتفاع عدد المطالبات، وهي خسائر تنعكس في نهاية المطاف على المواطن من خلال ارتفاع أقساط التأمين وكلفة الخدمات المختلفة.
 
ومن هنا، أؤمن شخصيًا بأن أي حديث جاد عن حوادث السير يجب أن يبدأ بالإنسان وينتهي عنده، لأن الإنسان هو أثمن ما نملك، وهو الثروة الحقيقية لهذا الوطن. فلا الطرق، ولا المركبات، ولا حتى المؤشرات الاقتصادية، تعادل قيمة روح واحدة تُزهق بسبب لحظة تهور أو استهتار. فكل رقم في إحصاءات الوفيات هو اسم، وكل حادث قاتل هو قصة إنسان كان يحمل أحلامًا وخططًا وطموحات، وله أسرة تنتظر عودته كل مساء.
 
وبرأيي، أخطر ما في هذه الحوادث ليس الموت وحده، بل اعتيادنا عليه، وكأن فقدان الأرواح أصبح أمرًا مألوفًا لا يثير الصدمة كما ينبغي.
 
إن احترام قانون السير لا يجب أن يكون بدافع الخوف من مخالفة أو كاميرا مراقبة، بل نابعًا من احترام الحياة، حياتنا وحياة الآخرين. فالسائق الملتزم بالقانون لا يحمي نفسه فقط، بل يحمي طفلًا يعبر الطريق، وأمًا تنتظر أبناءها، وأسرة كاملة قد تتغير حياتها في لحظة واحدة. وعندما ندرك أن كل تصرّف خلف المقود قد يكون قرار حياة أو موت، عندها فقط يمكن أن نبدأ فعليًا في الحد من هذه المأساة المتكررة.
 
ورغم الجهود التي تبذلها الجهات الرسمية، من حملات توعوية، وتشديد للرقابة، وتحديث للتشريعات، إلا أن النتائج ما تزال دون مستوى الطموح. ومن وجهة نظري، نحن بحاجة إلى انتقال حقيقي من ثقافة ردّ الفعل إلى ثقافة الوقاية، عبر تعليم مروري يبدأ من المدارس، وإعلام مسؤول لا يكتفي بنقل الخبر بل يوضح مخاطره، وتطبيق صارم وعادل للقانون دون استثناء أو تهاون.
 
كما أن الاستثمار في نظام نقل عام آمن وفعّال يمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من الحل، إذ يخفف من الازدحام وعدد المركبات على الطرق، ويقلل من احتمالية وقوع الحوادث. فالتجارب الدولية الناجحة في خفض حوادث السير لم تعتمد على الغرامات وحدها، بل على منظومة متكاملة تضع سلامة الإنسان في مقدمة الأولويات.
 
وفي المحصلة، تبقى حوادث السير في الأردن تحديًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل أو التسويف. فهي تمسّ الإنسان أولًا، وتستنزف الاقتصاد ثانيًا، وتعرقل مسيرة التنمية ثالثًا، والمسؤولية في مواجهتها مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند الدولة وعندما نضع قيمة الإنسان فوق كل اعتبار، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو طرق أكثر أمانًا، ومجتمع أكثر وعيًا، ووطن يحمي أغلى ما يملك: الإنسان.