أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    20-Jan-2026

الاحتياطيات الأجنبية في البنك المركزي.. قصة ثقة ونجاح*يوسف محمد ضمرة

 الغد

تعد الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي أحد الأعمدة الرئيسة لاستقرار الاقتصاد الوطني، إذ تمنح الدولة القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية، وتساهم في الحفاظ على ثبات سعر صرف الدينار، بما يعزز ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء. وبين الحين والآخر، تصدر بيانات عن البنك المركزي الأردني، تشير إلى ارتفاع هذه الاحتياطيات، إلى الحد الذي بات فيه هذا الارتفاع أمرا مألوفا، وكأن استمراره بات متوقعاً. وفي الواقع، تميل احتياطيات البنوك المركزية في العادة إلى التذبذب، لتأثرها بمجموعة من العوامل أبرزها حركة التجارة الخارجية، تحويلات العاملين في الخارج، وتدفقات الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى تقلبات أسعار النفط والذهب والعملات العالمية الرئيسة. ومع ذلك، نجح البنك المركزي الأردني خلال السنوات الماضية، في الحفاظ على مسار تصاعدي للاحتياطيات، رغم الصدمات والتحديات الإقليمية والدولية المتلاحقة، لتبلغ 25.5 مليار دولار في نهاية العام الماضي. فما هي العوامل التي جعلت هذا النجاح ممكناً؟
 
 
في الواقع، لا يترك البنك المركزي الأمور للصدفة، فإدارة الاحتياطيات الأجنبية عملية معقدة تتطلب خبرة عالية وانضباطا مؤسسيا، ولا تتم بالبساطة التي قد يتصورها البعض. إذ تستند هذه الإدارة إلى استراتيجية علمية متكاملة توازن بين ثلاثة أهداف رئيسة، تشمل الأمان، السيولة والعائد، بما يضمن الحفاظ على مستويات مريحة من الاحتياطيات دون المساس بالاستقرار المالي أو النقدي للدولة. وتشمل هذه الاستراتيجية تنويع أدوات الاستثمار عبر الأصول الأجنبية الآمنة والسائلة، مثل السندات الحكومية، والعملات الرئيسة، والذهب، إلى جانب متابعة دقيقة ومستمرة لتطورات الأسواق العالمية وتقلباتها، بما يمكن البنك من اتخاذ قرارات استباقية ومرنة تحمي الاحتياطيات من الصدمات الخارجية المحتملة.
ويعد نجاح البنك المركزي في إدارة احتياطيات الذهب، مثالاً بارزاً على هذا النهج الاحترازي المدروس. فمع الارتفاعات القياسية التي شهدتها أسعار الذهب العالمية خلال الفترة الماضية، استطاع البنك تعزيز القيمة السوقية لاحتياطيات الذهب بشكل ملموس، لترتفع من نحو 6 مليارات دولار في نهاية العام 2024 وتصل إلى ما يقارب 10.1 مليار دولار في نهاية العام الماضي، أي بزيادة تجاوزت 69 %. ويعكس هذا الأداء قدرة البنك على توظيف الذهب ليس فقط كأداة تحوط تقليدية، بل كعنصر استراتيجي فاعل في تنمية الاحتياطيات وتعزيز متانة المركز المالي، بما ينسجم مع أفضل الممارسات المعتمدة لدى البنوك المركزية العالمية.
ومن جهة أخرى، يولي البنك المركزي أهمية بالغة لرصد وتحليل مختلف العوامل المؤثرة في التدفقات المالية، بدءا من حركة التجارة الخارجية وتحويلات العاملين في الخارج، مرورا بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر، وصولا إلى تقلبات أسعار السلع الأساسية والعملات الأجنبية. ويساهم هذا النهج العلمي المتكامل، في جعل إدارة الاحتياطيات عملية مخطط لها ضمن رؤية استراتيجية واضحة، تضمن جاهزية البنك لمواجهة التقلبات والصدمات الخارجية المحتملة، وتدعم النمو المستدام للاحتياطيات، لتشكل في المحصلة درعا ماليا متينا يسند الاقتصاد الوطني.
ويشكل عامل الاستقلالية المؤسسية، إحدى الركائز الأساسية لنجاح البنك المركزي في إدارة الاحتياطيات الأجنبية. فهذه الاستقلالية تمنح البنك القدرة على اتخاذ قراراته المالية والاستثمارية بمعزل عن أي ضغوط أو اعتبارات ظرفية أو غير مهنية، وتتيح له التركيز على الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل، وفي مقدمتها الحفاظ على استقرار سعر الصرف وتنمية الاحتياطيات بكفاءة وأمان. كما يساهم هذا النهج في ترسيخ ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء، إذ يدركون أن القرارات المتخذة تستند إلى تحليلات دقيقة ومعطيات علمية، لا إلى اعتبارات مؤقتة. الأمر الذي يوفر بيئة داعمة لاستمرار نمو الاحتياطيات وتعزيز متانة الاستقرار النقدي كركيزة لاستقرار الاقتصاد الوطني.
ولا تقل الشفافية والمصداقية أهمية عن باقي العوامل في نجاح إدارة الاحتياطيات، إذ تعدان عنصرين أساسيين في تشكيل ثقة المستثمرين والمواطنين بقدرة البنك المركزي على إدارة أموال الدولة بكفاءة ومسؤولية. فمن خلال نشر بيانات وتقارير مالية دقيقة ومنتظمة، تتضح توجهات البنك وخياراته الاستراتيجية، بما يحد من الشائعات أو التفسيرات غير الدقيقة، ويساهم في تعزيز الاستقرار المالي.
وفي نهاية المطاف، نجني ثمار هذه الإدارة الحكيمة في الارتفاع المستمر في الاحتياطيات الأجنبية. فلكما طالعتنا عناوين عن هذا الارتفاع، يجدر بنا أن نستحضر الجهد المؤسسي المتراكم الذي تقوده إدارة البنك المركزي باحترافية وكفاءة عاليتين، وبعمل هادئ ومنظم بعيدا عن الأضواء، لنتذكر الدور المحوري الذي تضطلع به هذه المؤسسة في حماية الاستقرار النقدي والمالي، ودعم متانة الاقتصاد الوطني، وتعزيز الثقة بمساره على المدى الطويل.