"استعمالات الأراضي".. هل يوقف "زحف الإسمنت"؟
الغد-عبد الله الربيحات
فيما أقر مجلس الوزراء أخيرا، نظام تنظيم وخريطة استعمال الأراضي لسنة 2026، بهدف الحفاظ على الرُّقعة الزِّراعية في المناطق الواقعة خارج حدود التنظيم، دعا خبراء زراعيون إلى ضرورة ربط النظام بآلية إنفاذ صارمة لا اجتهادية من خلال فرض عقوبات واضحة وقابلة للتطبيق، مع ضرورة إلغاء الاستثناءات الفضفاضة وتوحيد المرجعية، ومنع تضارب الصلاحيات بين البلديات والوزارات.
وبين هؤلاء الخبراء أن النظام الجديد يكرس مبدأ حماية الرقعة الزراعية خارج حدود التنظيم، مبينين أنه يؤسس لأول مرة لإطار قانوني صريح يُعامل هذه الرقعة كـمورد وطني إستراتيجي، وليس كاحتياطي عمراني مؤجل.
ميزات النظام
وفي السياق، رأى وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن نظام تنظيم وخريطة استعمال الأراضي 2026، يكرس مبدأ حماية الرقعة الزراعية خارج حدود التنظيم، من خلال تغيير صفة الاستعمال، ووقف التوسع الصناعي والسكني العشوائي على الأراضي الخصبة، وربط أي استثناءات بمعايير واضحة لا بقرارات فردية، إضافة إلى تصنيف الأراضي وفق صلاحيتها الزراعية وليس فقط عبر موقعها.
وأشار المصري إلى أن النظام يعتمد على خريطة استعمالات أراضٍ وطنية تُصنّف الأراضي خارج التنظيم حسب الخصوبة، والتربة، وتوفر المياه، والملاءمة الزراعية الفعلية، مبينا أن هذا الانتقال مهم من منطق "الأرض خارج التنظيم.. متاحة للتغيير"، إلى منطق "الأرض الزراعية.. وظيفة يجب حمايتها".
وزاد: "كذلك يعمل النظام على تنظيم الاستعمال بدل المنع المطلق، إذ إنه لا يمنع الاستعمالات الأخرى منعًا كليًا، بل ينظمها، ويحدد سقوفها، ويقيّدها بشروط واضحة، ما يفتح المجال أمام أنشطة زراعية مساندة، وصناعات غذائية محددة الموقع، فضلا عن استثمارات ريفية منضبطة، وإنشاء قاعدة بيانات جغرافية مكانية موحدة."
وقال إن إدراج البعد الجغرافي الرقمي (GIS) يُعد من أهم عناصر النظام، حيث يوفر بيانات موحدة لمتخذي القرار، ويقلل التناقض بين المؤسسات، إضافة إلى أنه يخفض الوقت والتكلفة الإدارية، ويحد من الاجتهادات المتعارضة في الترخيص، فضلا عن دعم المشاريع الزراعية بدل تهميشها، من خلال تثبيت الصفة الزراعية للأراضي، وتقليل مخاطر المضاربة، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار الزراعي طويل الأجل.
وزاد: "المطلوب لضمان نجاح النظام وعدم تفريغه من مضمونه ربطه بآلية إنفاذ صارمة لا اجتهادية، إذ إن التحدي الأكبر يكمن تاريخيًا ليس في النصوص بل في التطبيق."
وشدد على ان المطلوب وضع عقوبات واضحة وقابلة للتنفيذ، وإلغاء الاستثناءات الفضفاضة، وتوحيد المرجعية ومنع تضارب الصلاحيات بين البلديات والوزارات.
ودعا إلى منع تحويل النظام إلى أداة تعطيل للاستثمار المنتج، إذ يجب التفريق بوضوح بين التعدي العمراني العشوائي، والاستثمار الزراعي أو الغذائي أو الريفي المنضبط، مبينا أن أي نظام يُغلَق بالكامل دون بدائل سيخلق سوقًا سوداء، وضغوطًا سياسية لاحقة للتراجع.
وأكد ضرورة دمج النظام بسياسات الحوافز لا الاكتفاء بالمنع، بل بحوافز ضريبية للمزارعين، ودعم تكلفة المياه والطاقة للأنشطة الزراعية، إضافة إلى تسهيل الترخيص للمشاريع الزراعية ذات القيمة المضافة.
كما أكد المصري وجوب تحديث الخرائط دوريًا وربطها بالواقع المناخي والمائي، داعيا إلى إشراك القطاع الزراعي الحقيقي وليس "الاعتماد على البيروقراطية."
الحفاظ على الرقعة الزراعية
من جهته، بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل هاني، أن من أبرز ملامح النظام الجديد حفاظه على الرقعة الزراعية، وإنقاذ ما تبقى من الأراضي الزراعية خارج التنظيم لصالح الزحف العمراني والصناعي، ما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي وخاصة في المناطق التي تتوفر فيها مياه الري سواء كانت سطحية أو جوفية، علما أن معظم هذه الأراضي تقع في مناطق ذات أمطار شحيحة.
وزاد هاني: "كذلك يحد النظام من التوسع العشوائي العمراني من خلال التخصيص المكاني المنظم، ما ينعكس ايجابا على تقليل تكلفة البنية التحتية وتجهيز الموقع."
وأضاف إن النظام يشجع الاستثمار في المشاريع الزراعية من خلال وجود تشريع واضح يسهل الحصول على التراخيص اللازمة بما يتناسب وصلاحية الأرض للزراعة، مبينا أن من شأنه أن يقلل من الجهد والتكاليف على المؤسسات الحكومية والمستثمرين، ويحفاظ على الغطاء النباتي والتوازن البيئي.
النظام ضرورة ملحة
أما المدير العام لاتحاد المزارعين محمود العوران، فاعتبر أن تنظيم استخدامات الأراضي ضرورة ملحة قبل توسع ظاهرة التغيرات المناخية؛ لأن الاعتداء على الأراضي الزراعية الخصبة وتحويلها إلى غابات إسمنتية زاد من تفاقم التغيرات المناخية، فبدلاً من زيادة المسطحات الخضراء لمواجهة هذه الظاهرة زادت نسبة التصحر، ومن انجراف التربة وتدمير خواصها الكيميائية والفيزيائية.
وأضاف العوران: "التنظيم ذو أهمية في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، من خلال حماية الموارد الطبيعية، وتحقيق توازن مستدام بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، وتقليل السلبيات الناجمة عن التغيرات المناخية وحماية التنوع البيولوجي."
وأشار إلى أن التعدي على الأراضي الزراعية أصبح سهلا للغاية، وكان مطلب الاتحاد منذ أكثر من عشر سنوات تفعيل قانون استعمالات الأراضي.
وتابع: "نتيجة لغياب هذا القانون نرى بأن الأراضي الخصبة في كافة مناطق المملكة أصبحت سكنية، متجاهلين الأمن الغذائي حتى أصبحنا نستورد ما يقرب من 99 % من احتياجاتنا من الحبوب بكافة أنواعها نتيجة الفوضى في استعمالات الأراضي"، داعيا إلى تصنيف القطاع الزراعي في التنظيم على شكل برنامج للثروة النباتية والحيوانية، وبحيث تخصص الأراضي الجبلية للأشجار الحرجية، والسهول للخضراوات.