أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    24-Jan-2026

في قلب السباق على الموارد بقيادة الذكاء الاصطناعي (2 - 2)

 الغد

تايس فان دي غراف
 
واشنطن - الذكاء الاصطناعي ليس مستهلكا شرها للطاقة الكهربائية فحسب، بل يمكنه أيضا المساعدة في إدارتها، وذلك بتحقيق التوازن بين شبكات الكهرباء، والتنبؤ بناتج الطاقة المتجددة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للطاقة في مجالي البناء والصناعة. فبعض المدن تضخ الحرارة المهدرة من مجموعات الخوادم إلى شبكات التدفئة في المناطق التي توجد فيها مراكز البيانات. وهذه التطبيقات لن تمحو بصمة هذا القطاع، ولكن يمكنها تخفيف الضغط الذي يُحدثه.
 
 
بالإضافة إلى هذا، تشهد الكفاءة تحسنا أيضا. فالأجيال الجديدة من الرقائق الإلكترونية، مثل معالجات بلاكويل Blackwell من شركة إنفيديا ووحدات معالجة الموتِّر (TPUs) من شركة غوغل، مصممة لتوفير عدد أكبر من العمليات لكل وات. وعلى جانب البرمجيات، تم تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي "DeepSeek" الذي أطلقته الصين في يناير 2025 بجزء من التكلفة التي أنفقتها شركة الذكاء الاصطناعي OpenAI وشركة غوغل على نماذج من أحجام مماثلة والطاقة التي استخدمتها فيها.
على الرغم من هذا، تنطوي الكفاءة على مفارقاتها الخاصة. والتاريخ يشير إلى أن القدرة الحاسوبية الأقل تكلفة تحفز مزيدا من الاستخدام، وهو تأثير يُعرف باسم مفارقة جيفونز (Jevons paradox). فالذكاء الاصطناعي قد يقدم في الواقع نماذج أكثر ذكاءً وأصغر حجما، ولكن الإقبال على التطبيقات من المحتمل أن ينمو بشكل أسرع.
وإذا كانت الكهرباء هي القيد الأول على الذكاء الاصطناعي، فإن أشباه الموصلات هي القيد الثاني. فتدريب أحدث النماذج يتطلب آلاف الرقائق الإلكترونية المتخصصة، ومعظمها من تصميم شركة إنفيديا وتُصنَّعها بشكل شبه حصري شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات في مقاطعة تايوان الصينية. وقد جعل هذا التركز الرقائق الإلكترونية نقطة الاختناق ذات البعد الإستراتيجي الأكبر في سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي.
والحقيقة أن المخاطر الجغرافية-السياسية واضحة بالفعل. فقد فرضت الولايات المتحدة قيودا على صادرات الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الصين مع دعم منشآت التصنيع المحلية. وبعيدا عن خنق التقدم في الصين، ربما تكون هذه القيود قد دفعت شركاتها إلى الابتكار للتصدي لها، على غرار ما أوضحه نموذج الذكاء الاصطناعي "DeepSeek". وتسعى بيجين جاهدة لإنشاء شركاتها المحلية الرائدة. وتضخ كل من أوروبا واليابان والهند مليارات الدولارات في صناعاتها الخاصة. ويمثل الحصول على الرقائق الإلكترونية اليوم اختبارا حاسما للسيادة التكنولوجية.
إن عملية تصنيع الرقائق الإلكترونية نفسها مستهلكة شرهة للموارد. فيمكن لمنشأة تصنيع حديثة واحدة استهلاك كم من الكهرباء يعادل ما تستهلكه مدينة صغيرة، وتتطلب أيضا كميات هائلة من المياه فائقة النقاء. إلا أن القصة الأعمق تكمن بعيدا في عمليات التنقيب والاستخراج، في المعادن التي تجعل تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة وإنشاء مراكز البيانات أمرا ممكنا.
وهي بحاجة إلى الغاليوم والجيرمانيوم للدوائر الكهربائية المتقدمة، والسيليكون للرقائق الإلكترونية، وعناصر الأرض النادرة لمراوح التبريد، والنحاس للكابلات التي تربط الخوادم معا. وقد يحتوي مركز واحد فائق الحجم على كمية من النحاس تقارب ما ينتجه منجم متوسط الحجم في عام.
ووفقا لبيانات الوكالة الدولية للطاقة، فإنه بحلول عام 2030، قد تستهلك مراكز البيانات أكثر من نصف مليون طن متري من النحاس و75 ألف طن من السيليكون سنويا - وهي كمية تكفي لزيادة نصيبها من الطلب العالمي إلى %2. وبالنسبة للغاليوم، فإن القفزة أكثر حدة؛ فمراكز البيانات يمكن أن تمثل أكثر من عشر الطلب الإجمالي. وقد تبدو هذه النسب المئوية بسيطة، ولكنها تأتي على رأس متطلبات متزايدة من السيارات الكهربائية، وتوربينات توليد الكهرباء من الرياح، والصناعات الدفاعية، وجميعها تسعى سعيا حثيثا للحصول على احتياجاتها من نفس العرض المحدود.
وهذا العرض بالغ التركز. فالصين تتحكم في 80-90 % من عمليات تنقية السيليكون والغاليوم وعناصر الأرض النادرة. وفي عام 2023، فرضت قيودا على صادرات الغاليوم والجيرمانيوم، ومنذ أواخر عام 2024 فرضت قيودا جديدة على التنغستين والتيلوريوم والبزموت والإنديوم والموليبدينوم. وجميع هذه المواد بالغة الأهمية لتصنيع المعالجات الدقيقة، والصمامات الثنائية، وأجهزة الخادم. وقد زادت أسعار كثير من هذه المعادن. وردت كل من واشنطن وبروكسل وطوكيو وسول بوضع استراتيجيات للمعادن الحيوية، بدءا من برامج إعادة التدوير إلى إنشاء تحالفات مع البلدان الغنية بالموارد في أفريقيا وأميركا اللاتينية.
ويؤدي التكالب على المعادن، كما هو الحال مع الرقائق الإلكترونية، إلى تركز سلاسل الإمداد وفرض حواجز مرتفعة على الدخول، مع ما ينطوي عليه هذا الأمر من مخاطر جغرافية-سياسية جلية. وسيحدد ضمان ثبات إمكانية الحصول عليها واستدامتها مَن بمقدوره في الحقيقة الاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي.
الأراضي والمياه
مراكز البيانات فائقة الحجم تزدهر في الأماكن حيث تنخفض تكلفة الطاقة، وتتوافر المياه، وتوجد تغطية بروابط الألياف الضوئية السريعة. ونادرا ما كانت الأراضي العامل المقيِّد. فهذه المواقع شاسعة بمقاييس المناطق الحضرية، ولكنها ضئيلة مقارنة بمساحات الزراعة أو التعدين. وعلى الرغم من هذا، لما يزال وصول مراكز البيانات إلى هذه المناطق يمكنه إعادة تشكيل الاقتصادات المحلية حيث تُغطى الأراضي الزراعية في شمال فيرجينيا أو أوريغون بصفوف لا نهاية لها من القاعات الخرسانية التي توجد فيها الخوادم.
أما المياه فهي أكثر إثارة للجدل. وتذكر تقارير جريدة بلومبرغ نيوز أن عمليات التبريد تتطلب ملايين الغالونات من المياه يوميا، وأن ثلاثة أرباع مراكز البيانات في الولايات المتحدة منذ عام 2022 بُنيت في مناطق تعاني من الإجهاد المائي. وفي أريزونا، أشعلت المشاريع معارك بشأن ما إذا كانت إمدادات المياه الشحيحة ينبغي أن تذهب إلى الأسر المعيشية أم إلى شركات التكنولوجيا الكبرى. وتظهر في الأفق خلافات مماثلة في إسبانيا وسنغافورة. إلا أن الجزء الأكبر من البصمة المائية للذكاء الاصطناعي غير مباشر. فالمنشآت التي تزود مراكز البيانات بالطاقة تستهلك كما من المياه أكبر بكثير مما تستهلكه هذه المراكز نفسها.
بالإضافة إلى هذا، يحدد المناخ وتقليل حالات تأخر الشبكات قرارات تحديد المواقع. ويعكس تجمع هذه المراكز الكثيف في أيرلندا دورها بوصفها مُجمَّعا للكابلات عبر الأطلسي. وقد اختير مركز أبو ظبي المزمع إنشاؤه بقدرة 5 غيغاوات لأسباب منها تقليل حالات زمن التأخير مع آسيا وأوروبا. أما البلدان الأكثر برودة، من النرويج إلى آيسلندا، فتروِّج لميزتها المناخية، ألا وهي الحاجة الأقل إلى الطاقة لأغراض التبريد.
والنتيجة هي وجود جغرافيا متباينة، فبعض الحكومات تفرض قيودا لحماية شبكات الكهرباء والمياه، وتتنافس حكومات أخرى على استضافة مشاريع عن طريق توفير طاقات متجددة أقل تكلفة، أو نظم تدفئة في المناطق المعنية، أو حتى مساحات للبناء. وهذا تذكير آخر بالطريقة التي ستحدد بها القيود المادية شكل مستقبل الذكاء الاصطناعي.
التحديات على مستوى السياسات
إن الطلب على الموارد التي يستلزمها الذكاء الاصطناعي يضطر الحكومات إلى التعامل مع منشآت الطاقة، وشبكات الكهرباء، والمياه، والمعادن باعتبارها جزءا لا يتجزأ من سياساتها الرقمية.
ويتمثل أحد التحديات في معرفة ما يجب التخطيط له. فالتنبؤات بشأن متطلبات مراكز البيانات تتباين تباينا كبيرا، فأعلى تقدير منشور لعام 2030 يبلغ نحو سبعة أضعاف أقل تقدير. إلا أن سرعة البناء لا تتيح وقتا كافيا لليقين. ويجب على الحكومات توسيع نطاق نظم الكهرباء بسرعة كافية لمواكبة هذه الأمر، ولكن دون الإفراط في البناء أو الاستمرار في استخدام الوقود الأحفوري.
وتتمثل فجوة أخرى في الشفافية. فحتى في عصر المعلومات، لا يوجد سوى القليل من التقارير العامة الصادرة من الصناعة عن استخدام مراكز البيانات الكهرباء أو المياه أو المعادن. ومن شأن مزيد من الإفصاح أن يعطي الأجهزة التنظيمية والمرافق العامة والمجتمعات المحلية صورة أوضح عما هو آتٍ.
وفي الختام، تأتي الاستدامة والمساواة. فتوسيع نطاق الشبكات وسلاسل الإمداد دون ضمانات بيئية واجتماعية ينطوي على مخاطر تكرار دورات الانتعاش والكساد التي شهدها التسابق على السلع الأولية في الماضي. وستوجَّه منافع ازدهار الذكاء الاصطناعي إلى العالم الغني إذا بقيت الاقتصادات النامية مجرد مورِّد للمواد الخام، وظلت تواجه تكاليف ضمنية أعلى للحصول على الطاقة ورؤوس الأموال.
وإذا ما أُدير هذا الازدهار جيدا، فيمكن أن يسرِّع وتيرة استخدام الطاقة النظيفة، ويعزز وجود سلاسل إمداد أكثر قدرة على الصمود. وما لم يحدث ذلك، فإنه ينطوي على خطر الاستمرار في التعرض لانبعاثات جديدة وتعميق الاعتماد على الموارد.
وهذه ليست مجرد منافسة رقمية. فهي منافسة مادية - على الإلكترونات، والغالونات، ورقائق ويفر، وخامات المعادن. والطريقة التي تتعامل بها الحكومات والشركات مع تلك الأسس لن تحدد من يتولى القيادة في مجال الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أيضا مدى استدامة مكاسبها وتشاركها على نطاق واسع.
 
* أستاذ مساعد في جامعة غنت، بلجيكا