أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    31-Mar-2026

ماذا لو فشلت خطة هرمز؟*فراس النعسان

 الدستور

التصريحات التي أدلى بها الجنرال الأمريكي المتقاعد فرانك ماكينزي لا تكشف مجرد تفاصيل عسكرية، بل تفتح نافذة نادرة على الطريقة التي تفكر بها واشنطن في إدارة الصراع مع إيران منذ سنوات. فحديثه عن خطط جاهزة للسيطرة على مواقع استراتيجية، واحتمالات تدخل بري محدود، وفرض تفوق جوي دائم فوق جنوب إيران، يعني أن ما يجري اليوم ليس رد فعل ظرفياً على أزمة طارئة، بل تنفيذ تدريجي لسيناريو تم تصوره مسبقاً باعتباره أحد أكثر مسارات المواجهة احتمالاً.
 
الخطورة هنا لا تكمن فقط في طبيعة العمليات العسكرية نفسها، بل في الافتراض الضمني الذي تقوم عليه، وهو أن الضغط العسكري يمكن أن يُخفض قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز دون أن يتحول الصراع إلى حرب مفتوحة طويلة. هذا الافتراض هو النقطة الأكثر هشاشة في الاستراتيجية، لأنه يفترض إمكانية التحكم في مسار التصعيد داخل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تمتلك الأطراف أدوات غير متكافئة لكنها فعالة في إطالة الصراع.
 
مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، إنه أحد أعصاب الاقتصاد العالمي. مرور ما يقارب خُمس إمدادات النفط عبره يجعل أي اضطراب فيه حدثاً دولياً فورياً، لا أزمة إقليمية فقط. لذلك فإن الهدف المعلن المتمثل في إبقائه مفتوحاً للملاحة يبدو منطقياً عسكرياً، لكنه في الوقت نفسه يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة: حماية الممر تعني عملياً الاقتراب المستمر من السواحل الإيرانية، وكل اقتراب إضافي يرفع احتمال الاحتكاك المباشر الذي قد يخرج عن السيطرة.
 
ماكينزي أشار بوضوح إلى أن الخطط تشمل إمكانية السيطرة المؤقتة على جزر أو مواقع ساحلية، بل وحتى استهداف نقاط حيوية مثل جزيرة خارك، الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية. من الناحية العسكرية، تبدو هذه العمليات محدودة ومصممة لتحقيق ضغط تفاوضي دون تدمير شامل. لكن من الناحية السياسية، تمثل هذه الخطوات انتقالاً خطيراً من سياسة الردع إلى سياسة الإكراه المباشر، وهو انتقال يحمل آثاراً يصعب احتواؤها.
 
فالسيطرة على أرض، حتى لو كانت مؤقتة، تغيّر طبيعة الصراع جذرياً. إيران قد تتقبل ضربات جوية أو عمليات بحرية محدودة ضمن قواعد الاشتباك التقليدية، لكنها تنظر تاريخياً إلى أي وجود بري أجنبي بوصفه تهديداً سيادياً وجودياً. عند هذه النقطة، يصبح الرد الإيراني أقل ارتباطاً بالحسابات التكتيكية وأكثر ارتباطاً باعتبارات الهيبة الداخلية وإثبات القدرة على الردع.
 
وهنا يظهر السؤال الأكثر أهمية: ماذا لو لم تحقق العملية أهدافها سريعاً؟
 
السيناريو الأكثر خطورة ليس الهزيمة العسكرية المباشرة، بل النجاح الجزئي. أي أن تتمكن الولايات المتحدة من إضعاف بعض القدرات الإيرانية دون القضاء على القدرة على الرد. في هذه الحالة تدخل المنطقة مرحلة استنزاف متبادل، حيث تلجأ طهران إلى أدوات غير تقليدية لتعويض التفوق العسكري الأمريكي، مثل توسيع نطاق الهجمات غير المباشرة، أو استهداف خطوط الطاقة والبنية الاقتصادية عبر ساحات متعددة في الإقليم.
 
التاريخ العسكري يظهر أن القوى الأضعف تميل في هذه الظروف إلى نقل الصراع إلى مساحات أوسع بدلاً من مواجهته مباشرة. وهذا يعني أن أمن الخليج، والممرات البحرية، وحتى الاستقرار الاقتصادي العالمي، قد يصبح جزءاً من معركة طويلة منخفضة الحدة لكنها عالية التأثير.
 
إحدى الإشكاليات الأساسية في الخطة الأمريكية تكمن في تعريف "النجاح". ماكينزي حدده ببقاء المضيق مفتوحاً وإجبار إيران على تفاهمات حول برنامجها الصاروخي والنووي. لكن هذه أهداف سياسية بقدر ما هي عسكرية، وتحقيقها لا يعتمد فقط على القوة الميدانية بل على استعداد الطرف الآخر لقبول نتائج الصراع. وإذا رأت إيران أن التنازل تحت الضغط يهدد توازنها الداخلي أو مكانتها الإقليمية، فقد تختار إطالة المواجهة بدلاً من إنهائها.
 
في هذه الحالة، يتحول التفوق الجوي الأمريكي من أداة حسم إلى عبء استراتيجي طويل الأمد، يتطلب وجوداً دائماً مكلفاً سياسياً واقتصادياً. ففرض السيطرة الجوية المستمرة فوق جنوب إيران يعني بقاء القوات الأمريكية في حالة استنفار مفتوحة، وهو وضع يصعب الحفاظ عليه دون توسع تدريجي في العمليات.
 
أما أخطر تداعيات الفشل فتظهر في اليوم التالي لوقف الحرب، وليس أثناءها. فإذا توقفت العمليات دون تحقيق تسوية واضحة، ستخرج المنطقة بواقع أمني أكثر هشاشة. إيران التي تتعرض لضغط عسكري دون انهيار كامل قد تسعى إلى إعادة بناء قدراتها بسرعة أكبر وبنهج أكثر هجومية، بينما ستشعر دول المنطقة بأن مرحلة الردع التقليدي انتهت، ما يدفعها إلى سباق تسلح وتسريع بناء قدرات دفاعية وربما هجومية جديدة.
 
النتيجة المحتملة هي شرق أوسط أكثر عسكرة، وأقل قابلية للاستقرار طويل المدى.
 
اقتصادياً، حتى نجاح محدود في تعطيل الملاحة لفترات قصيرة قد يخلق سابقة خطيرة في أسواق الطاقة. فمجرد إثبات أن المضيق يمكن تهديده عسكرياً سيبقى عاملاً دائماً في تسعير النفط والتأمين البحري، ما يعني أن آثار الأزمة ستستمر بعد انتهاء العمليات بوقت طويل. الأسواق لا تتعامل فقط مع الواقع، بل مع احتمال تكراره.
 
سياسياً، قد يؤدي أي تدخل بري إلى إعادة تشكيل صورة الولايات المتحدة في المنطقة. فبعد سنوات من محاولة تقليص الانخراط العسكري المباشر، سيُنظر إلى العودة إلى عمليات السيطرة الميدانية باعتبارها تحولاً استراتيجياً، ما قد يعيد إحياء ديناميكيات الاستقطاب الإقليمي بدلاً من احتوائها.
 
كما أن الحلفاء أنفسهم قد يجدون أنفسهم أمام معضلة جديدة، وهي الاعتماد الأمني على واشنطن سيزداد في المدى القصير، لكنه قد يقابله قلق طويل الأمد من احتمالات الانجرار إلى صراعات لا يمكن التحكم بإيقاعها.
 
الأهم من ذلك أن الصراع، إذا توقف دون حسم واضح، سيؤسس لمرحلة ردع غير مستقر. أي وضع يدرك فيه كل طرف حدود قوة الآخر لكنه يختبرها باستمرار عبر عمليات محدودة. هذا النوع من التوازن هو الأكثر قابلية للانفجار، لأنه يقوم على الاحتكاك الدائم لا على التسوية.
 
تصريحات ماكينزي تكشف إذن أكثر مما تقصد أن الولايات المتحدة لا تستعد فقط لمعركة تكتيكية لحماية الملاحة، بل تدخل مرحلة اختبار لإعادة رسم قواعد الاشتباك مع إيران. غير أن التاريخ الحديث يبيّن أن الحروب التي تبدأ بهدف محدود كثيراً ما تنتهي بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بالكامل، وليس فقط بتحقيق الهدف المعلن.
 
السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت واشنطن قادرة على تنفيذ هذه الخطط، بل ما إذا كانت قادرة على إدارة نتائجها بعد توقف القتال. ففي صراعات بهذا التعقيد، لا يُقاس النجاح بلحظة التفوق العسكري، بل بمدى الاستقرار الذي يلي استخدام القوة. وإذا لم ينتج عن العمليات إطار أمني جديد قابل للاستمرار، فإن اليوم التالي للحرب قد يكون أكثر خطورة من الحرب نفسها.