الذكاء الاصطناعي.. مراحل احتلال السوق (5 - 5)*حسني عايش
الغد
وقبل أن أنهي هذه الدراسة أنبه القراء إلى أن كل تقنية تحويلية كالذكاء الاصطناعي يمر بأربع مراحل قبل أن تحتل السوق الاستهلالي كما يفيد كاربنتر.
· مرحلة الطبقة الأعلى أو الأغنى وأصحاب أرقى المهارات فيها فقط.
· مرحلة الشركة تصبح متاحة للشركات الكبرى والتنظيمات ذات المهارات المخصصة.
· مرحلة المستهلك أو الطبقة الوسطى لأن السعر مرتفع نسبياً فلا تبقى السلعة متاحة لبقية الناس.
· مرحلة الجمهور حيث تصبح التقنية متاحة مجاناً للعامة أو بسعر قليل مثل Apps والمواقع.
مع أن ديمقراطية الذكاء الاصطناعي تتيح الفرصة للإبداع وتنشط الأفراد إلا أنها تثير القلق أيضاً من احتمال/ إمكانية انتشار المعلومات الكاذبة والمضللة.
وبهذه المناسبة أدعي أن الذكاء الاصطناعي قد لا يحسن التصرف أحياناً إذا كان النص يحتوي على عناصر بلاغية كما في اللغة العربية. ومن ذلك أنني كتبت البوست التالي وطلبت منه التعليق عليه أو الحديث فيه ففشل: «هل أنت مع تبرير البقع الساخنة في البدان العربية أم مع تسخين البقع الباردة فيها لحل مشكلاتها وتسوية قضاياها مرة واحدة والى أجل غير مسمى»، فاندفع يتكلم عن المناخ.
ربما لو أضفت كلمة السياسية لفهم علي وتصرف.
تذكر ولا تنس أن تداعيات المعلومات الكاذبة والمضللة التي يمكن أن يأتي بها الذكاء الاصطناعي بسوء استخدامه أنها أكثر وأخطر من مجرد الفوضى أو الاضطراب. إنها تؤثر في الانتخابات، وقد تثير العنف أو الحرب الأهلية. كما أنها تتلاعب بالأسواق، وتقضي على الثقة في الشركات والمؤسسات، ومصادر المعلومات.
كلما ازداد تطور الذكاء الاصطناعي وأتيح للجميع فإن قوته في خلق ونشر المعلومات الكاذبة والمضللة تزداد: توليد صور تبدو حقيقية مع أنها كاذبة وكتابة نصوص منسقة، وشخصنة المحتوى أسلحة يمكن ان تستخدم للتدمير الشامل على يد الذين يصدقونها لقد أصبحت معلومات الذكاء الاصطناعي أكثر فذلكة وأصعب على الكشف والمواجهة. كما أنها قد تؤدي إلى اليأس أو إلى اللامبالاة، والشك العميق، مما يمكن أن يلحق الأذى بالتماسك الاجتماعي والعمليات الديمقراطية، ومفهوم الحقيقة المشتركة والقدرة على إدراك الصدق.
وبما أن معلومات الذكاء الاصطناعي الكاذبة والمضلِلة معقدة فإنها تتضمن تحديات تقنية واجتماعية وفلسفية، مما يوجب علينا تطوير فهم عميق لقدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده وإساءة استخدامه.
يجب أن نملك الإستراتيجيات اللازمة لتلطيف آثاره الضارة وفصل الزوان عن القمح، والحقيقة عن الخيال، فالقراصنة الرسميون والخاصون يستغلونه لتحقيق أهدافهم بأقل كلفة:
· أعرف أهداف القراصنة.
· أفهم الحبكة التقنية.
· أحمِ نفسك.
· ادعم البحوث والتطور والسياسات التي تعمل وتروج لذكاء اصطناعي مسؤول.
· تعاون لأنه ليس بقدرة واحد/ة أو قطاع واحد/ة مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي وحده، فبمجيء الميديا المركبة قد لا تستطيع معرفة فيما إذا كان الشخص الذي تتعامل أو تتفاعل معه بالصورة أو بالصوت حقيقياً أو لا. تصور ضخامة الضرر.
وبما أن البشر مبرمجون لتصديق ما يرون بعيونهم وما يسمعون بآذانهم فأنهم لا يتوقفون لمساءلة مدى صدق الصورة أو الصوت، أي الفيديو أو الأوديو. كما أن كثيراً من الناس يقدرون قدرتهم بصورة زائدة فيتصورون أنهم يميزون بدون تدقيق.
وبمناسبة هذه الدراسة البسيطة عن الذكاء الاصطناعي أضيف إليها موضوع المؤثرين في الميديا.
يتحدث ثوماس إركسون المفكر السويدي المعروف في كتابه العظيم عن الكذابين (2024) عن المؤثرين (Influencers) عبر وسائط التواصل الاجتماعي في كثير من الناس الذين يستخدمون الهاتف الذكي ( بتصرف محدود) فيقول : تخيل أنك فاتح هاتفك على إحدى وسائط التواصل الاجتماعي، وإذا بصورة تظهر لك لمؤثر مرتب، يبدو واثقاً من نفسه، يرتشف شاياً مرتفع السعر جداً، وبنفسيه رائقة، يمتدح هذا الشاي الذي يخفض الوزن سريعاً. ألا تشعر بالإغراء لشراء هذا الشاي الثمين إذا كنت تعاني من السمنة؟ هل تمتنع عن التفكير في الموضوع؟ يبدو أننا جميعاً على وشك الغوص في عالم من المؤثرين، وبطرق عدة لمط الحقيقة إلى أبعد مدى.
ينتشر في هذا العصر الرقمي كثير من المؤثرين الذين يبدون كقادة رأي أقوياء، أو حتى كمشكلين للآراء، وصانعين لاتجاهات / تريندات (Trends) نجري ورائها، ومؤثرين في قراراتنا فيما نشتري ونستهلك.
لكن مع «عظمة» هذا التأثير يجب أن تأتي عظمة المسؤولية. ولسوء الحظ لا يلتزم جميع المؤثرين بالنزاهة، ويتصرف بعضهم كالباعة المتجولين، مقدمين للناس توصيات مضللة، وأشكال من الحقائق، ملفترة، وأساليب من الحياة اللافتة للانتباه، ولكن البعيدة تماماً عن الحقيقة: ترى ما تداعيات هذا الشكل من الخداع؟
يوجد لهذا الشكل من الخداع تداعيات كثيرة ، منها تشويه وجهة نظر الأتباع (Followers). فعندما يعرض المؤثرون حياتهم الخيالية علينا وكأنها مطلية بالذهب فإنهم يضعون لنا معايير معيشة غير واقعية. كما يتسببون بعدم شعورنا بالأمن، ويضللون المستهلكين بتوجيهاتهم باستهلاك منتجات معينة لم تخضع للفحص، أو يعرضون لنا هويات زائفة، وكأنها حقائق يمكن أن تكون خطرة وعميقة الأثر.
بعض المؤثرين نرجسيون همهم جذب الانتباه إليهم. نعم، بعضهم الآخر قد يكون مجتهداً وصادقاً في تمثيل الماركات التي يؤمنون بصدقها، ويعملون لتكون تفاعلاتهم مع الناس صادقة.
يمكن تشبيه المستهلكين والاتباع الذين يرغبون في التقليد أو في الإنجاز بالمشي في حقل من المتفجرات، إذ ان من الصعوبة بمكان التفريق بين الحملات الصحيحة الصادقة والحملات المدفوع لها. كيف تستطيع في لحظة ما أن نعرف أن هذا الشيء حقيقي أو مسرحي؟ إن التفكير الناقد هو المفتاح أو الحل. خذ ما ترى من هؤلاء مع رشة ملح دائماً، واجتهد مسبقاً، أي قبل أن تقرر شراء شيء ما.
نعم، تفتح لنا وسائط أو منابر أو وسائل التواصل الاجتماعي نوافذ عدة على حياة المؤثرين فينا، لكن من المهم أن نتذكر أن هذه النافذة أو تلك غالباً ما تقدم لك وجهة نظر مفلترة عندما تتعامل مع أنواع مختلفة من المحتوى.
إن المسؤولية تقع علينا في ضرورة التمييز بين الحقيقة والخيال، والتأكد من أن إدراكاتنا مبنية على حقائق وليس على صورة منقحة. في هذا العالم الدائم التغير في وسائط التواصل الاجتماعي، العين البصيرة دائماً أفضل وقاية من سراب تمثيل الأشياء بغير ما هي بالفعل.