أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    07-May-2026

التضخم اللزج*حسام عايش

 الدستور

غالبا ما تكون بعض الاقتصادات وبالذات التي تعتمد على استيراد الطاقة والسلع الاساسية، ومنها الاقتصاد الاردني، عرضة لظاهرة تضخمية اقل خطية وتصعب قراءتها – الرقم الرسمي 1.87% لشهر اذار2026، و1.36% للربع الاول2026 مقابل الفترة نفسها من 2025 عند 2%- بمعزل عن تركيبته من حيث المصادر والمكونات التي تولده وتغذيه، باعتباره شبكة من الابعاد المتداخلة الخارجية والداخلية.
 
فمؤشر اسعار المستهلك-التضخم- الذي يعتمد على سلة تضم نحو 850 سلعة وخدمة، يعكس متوسطا عاما يخفي وراءه تباينات واضحة، حيث ترتفع اسعار بعض السلع الاساسية خاصة الغذائية والطاقة والخدمات المرتبطة بالنقل بشكل يفوق المتوسط، بينما تبقى سلع اخرى مستقرة او منخفضة.
 
هنا يظهر ما يمكن تسميته بالانتقال غير الكامل للصدمات التضخمية، فالحكومة مثلا ومن خلال تثبيت اسعار بعض المشتقات مثل الغاز والكاز، او تمرير جزء من الزيادات في اسعار البنزين والسولار كما هو الحال مع تسعيرتي نيسان واذار 2025، حاولت تخفيف الاثر الفوري لصدمات النفط العالمية، عبر اعادة توزيعها زمنيا، وهو اجراء احترازي لحظي لكنه يؤدي الى نشوء ما يعرف بالتضخم اللزج او المؤجل، حيث الضغوط السعرية تبقى كامنة داخل الاقتصاد.
 
هذه اللزوجة تعني ان الاسعار لا تعود بسهولة الى مستوياتها السابقة حتى في حال تراجع الاسعار العالمية، لان سلوك التسعير يميل الى تمرير الارتفاعات بسرعة اكبر من تمرير الانخفاضات، كما ان تكاليف الطاقة تدخل في معظم حلقات الانتاج، مما يجعل اثرها تراكميا وليس لحظيا، وبالتالي تصبح الصدمات السعرية ذات اتجاه واحد اكثر منها دورات متوازنة.
 
 يضاف لذلك، الثبات النسبي للاجور والرواتب، وضعف نمو الدخول، ما يساهم بتعزيز الشعور بتضخم اعلى من الرقم الرسمي؛ لان القدرة الشرائية تتآكل تدريجيا حتى في ظل استقرار المؤشر العام للتضخم؛ ما يوجد فجوة بين التضخم المقاس والتضخم المدرك.
 
 لا يمكن وصف هذا النمط من التضخم بانه مرتفع بالمعنى التقليدي، لكنه ليس مستقرا بالكامل، اي انه منخفض رقميا، ولزج هيكليا، ومكبوح جزئيا، عبر سياسات التسعير وبعض اشكال الدعم التي تعلنها الحكومة بين الحين والاخر؛ ما يجعل التحدي الحقيقي ليس في خفض رقم التضخم السنوي فقط، بل في كيفية ادارة انتقال الصدمات بشكل متوازن.
 
الخطر الاقتصادي هنا، لا يكمن في ارتفاع الاسعار بحد ذاته بل في طريقتين غير صحيتين لادارتهما: الاولى، بالانتقال المفاجئ الذي يحدث عندما يتم تمرير الصدمة السعرية دفعة واحدة؛ ما يسبب قفزات سعرية حادة، والثانية، عند التأجيل المفرط للصدمة السعرية- وليس التوزيع المتوازن- الذي يؤدي الى تراكم الضغوط داخل الاقتصاد لتظهر لاحقا بشكل اكثر وطأة على التكاليف المعيشية.
 
من هنا، تصبح السياسة الاقتصادية المثلى، هي تلك التي تدير انتقال الصدمات بشكل تدريجي وشفاف، بحيث يتم ربط الكلف العالمية بالاسعار المحلية ضمن مسار واضح ومتوقع، مع الحفاظ على استقرار نسبي في الايرادات، وتخفيف الاثر على الفئات الاكثر تأثرا، وفي الوقت نفسه تجنب تراكم تضخم مكبوت قد ينفجر لاحقا.
 
ويمكن في هذا السياق تصور ادارة احتوائية ذكية مرنة لامتصاص الصدمات  توازن بين الضرائب والاسعار وتعمل في الظروف الاستثنائية، بحيث تتحرك عناصر التسعير بشكل معاكس للصدمة فاذا ارتفعت اسعار النفط يمكن تخفيف العبء الضريبي واذا انخفضت يمكن اعادة ضبطه بحيث يظل السعر النهائي اكثر استقرارا دون تقلبات حادة.
 
 وعليه، يفترض ان لا يتم  التعامل مع  التضخم كرقم فقط بل كعملية انتقال عميقة للصدمات السعرية داخل اقتصاد؛ ما يجعل التحدي المركزي تحقيق توازن بين الاستقرار قصير الاجل والاستدامة طويلة الاجل، بحيث لا يتحول الاستقرار الظاهري المعبر عنه بمعدل تضخم مكبوح؛  الى تراكم خفي يضغط على الاقتصاد والاسواق والناس في المستقبل.