أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    02-Feb-2026

تطوير حقل الريشة خيار إستراتيجي يعزز الاستقرار الاقتصادي

 الغد-رهام زيدان

 أجمع خبراء على أن الإسراع في تطوير حقل الريشة لم يعد مجرد مشروع طاقة فحسب، بل أصبح يشكل رافعة اقتصادية وطنية قادرة على تقليص فاتورة الطاقة وخفض كلف الاقتصاد الوطني.
 
 
وبين الخبراء أن استغلال حقل الريشة بالشكل الأمثل من شأنه أن يعزز الاستقرار الاقتصادي الكلي ويمهد لمرحلة جديدة من الاكتفاء الذاتي والنمو المستدام في قطاع الطاقة المحلي.
وأكد الخبراء أن مشروع تطوير حقل غاز الريشة بات أحد أبرز المشاريع الوطنية الإستراتيجية التي تعول عليها المملكة في تعزيز أمنها الطاقي وتقليص الاعتماد على الاستيراد، ضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي (2026–2029)، وإستراتيجية قطاع الطاقة (2025–2035)، وسط تأكيدهم على أن  الإسراع في تنفيذه بات ضرورة اقتصادية وطاقية لا تحتمل التأجيل.
تعزيز الاستقلال الطاقي 
وتقليص الاستيراد
قال الخبير في شؤون الطاقة هاشم عقل إن "تطوير حقل الريشة يشكل ركيزة أساسية في مسار تحقيق الاستقلال الطاقي، في ظل اعتماد الأردن على استيراد نحو 90  % من احتياجاته من الطاقة".
ووصف عقل الحقل بصفته المنتج المحلي الوحيد للغاز الطبيعي، أصبح مثل "فرس الرهان" الرئيسي لتقليل هذا الاعتماد.
وبين عقل أن الإنتاج الفعلي من الحقل تجاوز 75 مليون قدم مكعب يوميا خلال عامي 2025–2026، ضمن خطة تصاعدية تستهدف رفع الإنتاج إلى نحو 78 مليون قدم مكعب مع نهاية 2025، ثم 150 مليونا بحلول 2029، وصولا إلى نحو 418 مليون قدم مكعب في عام 2030، مع توقعات ببلوغ ذروة إنتاج تقارب 500 مليون قدم مكعب يوميا بحلول عام 2034.
وأشار عقل إلى أن هذه الكميات مكنت الحقل من تغطية نحو 15  % من الاستهلاك المحلي بحلول عام 2026، مع قابلية للارتفاع مستقبلا، ما خفّف الضغط على ميزان المدفوعات، وحدّ من تأثر الاقتصاد الوطني بتقلبات أسعار الطاقة العالمية والمخاطر الجيوسياسية.
وفورات كبيرة وتنافسية
 أعلى للصناعة
وفيما يتعلق بالكلف، أكد عقل أن الغاز المنتج محليا يعد أقل كلفة بكثير مقارنة بالغاز المسال أو الديزل والوقود الثقيل، موضحا أن الاعتماد عليه حقق وفورات تراوحت بين 30 % و60 % من كلف الطاقة على القطاع الصناعي.
وأضاف "توفير الغاز المحلي عزّز تنافسية القطاعات الإنتاجية، ووفّر دعما مباشرا للقطاعين الصناعي والتجاري من خلال اتفاقيات بيع الغاز المضغوط والمسال، ما شجّع الاستثمار الصناعي وأسهم في رفع معدلات النمو الاقتصادي".
وأوضح عقل أن حقل الريشة يحتوي على احتياطيات مؤكدة تقدّر بنحو 11.99 تريليون قدم مكعب، منها ما بين 4.7 و6.65 تريليون قدم مكعب قابلة للاستخراج.
ولفت إلى أن خطط التطوير استقطبت استثمارات بمليارات الدولارات، من بينها عقد بقيمة 174 مليون دولار مع الشركة الكويتية للحفريات لحفر 80 بئرا، ضمن خطة استثمارية إجمالية تقدّر بنحو 3.6 مليار دولار حتى عام 2050.
وأشار إلى أن هذه التطورات فتحت المجال أمام إمكانية تصدير الفائض مستقبلا، لا سيما مع خطط ربط الحقل بخط الغاز العربي عبر خط يمتد لمسافة 300–320 كيلومترا، ما يعزّز فرص تحوّل الأردن إلى لاعب إقليمي في قطاع الطاقة.
الاكتفاء الذاتي خيار إستراتيجي
 لا بديل عنه
من جانبه، قال الباحث في الشؤون الاقتصادية عامر الشوبكي إن "أهمية تطوير حقل الريشة تنبع من موقع الأردن ودوره كممر إقليمي للطاقة" لافتا إلى أن المملكة استثمرت بنية تحتية مكلفة في هذا المجال، شملت أنبوب الغاز وسفينة الغاز المسال في العقبة، إضافة إلى قرب انتهاء اتفاقية الغاز مع الجانب الإسرائيلي.
وأوضح أن ما يقارب ثلث مدة الاتفاقية قد مضى، ولم يتبقَّ منها سوى نحو عشر سنوات، ما يفرض على الأردن التوجّه الجاد نحو الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، مؤكدا أن تطوير حقل الريشة لم يعد خيارا، بل ضرورة إستراتيجية.
وأشار الشوبكي إلى أن الغاز في المنطقة الشرقية من المملكة يصنّف كغاز غير تقليدي، ويتطلب تقنيات متقدمة لا تمتلكها إلا كبريات الشركات العالمية، ما يجعل الشراكة مع شركات دولية أمرا ملحا، رغم الجهود التي تبذلها شركة البترول الوطنية.
وأضاف أن الجدوى الاقتصادية لا ترتبط فقط برفع حجم الإنتاج، بل بقدرة الحقل على ضخ كميات مستقرة وثابتة على المدى الطويل، لافتا إلى أن الحقل لا يزال في مرحلة الاستكشاف، ولم يدخل مرحلة الاستثمار الكامل بعد.
خطط حكومية لرفع الإنتاج
وفي السياق ذاته، أكدت الحكومة أن شركة البترول الوطنية تعمل على رفع إنتاج الغاز من حقل الريشة إلى نحو 75 مليون قدم مكعب يوميا بنهاية العام الحالي، مقارنة بنحو 50 مليون قدم مكعب حاليا، من خلال حفر آبار جديدة، وتنفيذ مشروع خطوط نقل غاز داخل الحقل بطول 40 كيلومترا.
كما أبرمت الشركة عددا من اتفاقيات بيع وشراء الغاز مع شركات تقوم بضغط وتسييل الغاز ونقله إلى مختلف مناطق المملكة، في إطار توسيع استخدامات الغاز وتحفيز الصناعات المحلية.
وتستهدف الإستراتيجية الشاملة لقطاع الطاقة تنويع مصادر الغاز الطبيعي عبر أربعة مصادر رئيسة، تشمل الغاز المصري، وغاز شرق المتوسط، والغاز المنتج محليا من حقل الريشة، والغاز المسال المستورد عبر ميناء العقبة.
ركيزة تاريخية لتوليد الكهرباء وخيار أقل كلفة
قال مدير عام شركة الكهرباء الوطنية الأسبق م.عبدالفتاح الدرادكة إن "حقل غاز الريشة يعد من أبرز الموارد الطبيعية الوطنية التي لعبت دورا محوريا في تاريخ وحاضر قطاع الطاقة في الأردن، إذ شكّل على مدى عقود مصدرا مهما للوقود اللازم لتوليد الكهرباء، وخيارا إستراتيجيا لتخفيف كلف الطاقة على قطاع الكهرباء والقطاعات الصناعية، بما حدّ من الأعباء المالية المترتبة على الاقتصاد الوطني".
وأوضح أن أهمية غاز الريشة تعود إلى اكتشافه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إذ أسهمت محطة كهرباء الريشة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بما لا يقل عن 10 % من إجمالي إنتاج الكهرباء في المملكة، ما يعكس الدور الحيوي الذي أدّاه الحقل في تلبية الطلب المحلي وتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة.
وأشار إلى أن الاهتمام المتجدد بالحقل جاء في ظل ارتفاع كلف الطاقة عالميا، حيث حظي غاز الريشة بمكانة متقدمة ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، مدعوما بمؤشرات إيجابية على وجود احتياطيات غازية واعدة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تخصيص مخصصات مالية في موازنة عام 2026 لدعم عمليات الاستكشاف والتطوير وتعظيم الاستفادة من هذا المورد الوطني.
ولفت الدرادكة إلى أن الخطوات العملية الأخيرة، والمتمثلة في نقل الغاز المضغوط بالصهاريج إلى عدد من المنشآت الصناعية وتزويد شركة السمرا لتوليد الكهرباء، تعكس تنامي دور الغاز المحلي في مزيج الطاقة الوطني. وأضاف أنه في حال تأكد وجود احتياطيات إضافية بكميات تجارية مجدية، فإن دور غاز الريشة سيتعاظم مع ارتفاع الأحمال الكهربائية ونمو النشاط الصناعي، فضلا عن فتح آفاق مستقبلية للتصدير إلى أسواق مجاورة مثل سورية ولبنان، بما يعزز مكانة الأردن كمركز إقليمي في قطاع الطاقة.
أسعار الغاز وموقع الحقل
وحددت الحكومة أسعار بيع غاز الريشة للقطاع الخاص للشهر الحالي عند 2.632 دينار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية للغاز المنتج محليا، و7.382 دينار للغاز المضغوط (CNG)، و11.032 دينار للغاز المسال.
ويقع حقل الريشة في شمال شرق المملكة، على بعد نحو 370 كيلومترا من العاصمة عمّان، ضمن منطقة امتياز تبلغ مساحتها نحو 7500 كيلومتر مربع، تحدها العراق شرقا، وسورية شمالا، والسعودية جنوبا.
العودة للتعدين والاستكشاف رغم ارتفاع المخاطر
قال نقيب الجيولوجيين الأردنيين السابق د. صخر النسور إن "رؤية التحديث الاقتصادي جاءت في توقيتها الصحيح، وأسهمت في إعادة إحياء قطاعات حيوية في مقدمتها قطاع التعدين، من خلال التركيز على استغلال الثروات الطبيعية لأغراض الصناعة التحويلية، إلى جانب إعادة النظرة الجادة لملف الاستكشاف النفطي والغازي في المملكة".
وأوضح النسور أن التنقيب عن النفط والغاز يعد من أكثر القطاعات تعقيدا ومخاطرة على مستوى العالم، نظرا لارتفاع احتمالات عدم الاكتشاف أو عدم الجدوى التجارية، إضافة إلى الكلف المرتفعة لحفر الآبار التي تتطلب استثمارات كبيرة وميزانيات ضخمة، ما يستدعي وجود شركات عالمية متخصصة تمتلك الخبرة والتقنيات المتقدمة اللازمة لهذا النوع من العمليات.
وبين أن أعمال الاستكشاف في الأردن بدأت منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، إلا أنها بقيت محدودة نسبيا، حيث لم يتجاوز عدد الآبار المحفورة حتى اليوم نحو 200 بئر، مقارنة بدول الجوار، ولا سيما دول الخليج العربي التي حفرت آلاف الآبار، ما مكّنها من فهم تركيبتها الجيولوجية وتحديد الطبقات المنتجة بدقة أعلى. وأكد أن زيادة عدد الآبار تعد عاملا أساسيا لفك الشيفرة الجيولوجية للحقول وتعظيم فرص الإنتاج.
تعقيدات جيولوجية في الريشة
في خصوص حقل الريشة، قال النسور "يعد من الحقول المعقدة جيولوجيا، إلا أن استمرارية الإنتاج منه تشكّل مؤشرا إيجابيا ومطمئنا" لافتا إلى أن وزارة الطاقة وشركة البترول الوطنية أعلنتا عن خطة مكثفة لحفر مزيد من الآبار خلال العام الحالي والأعوام القليلة المقبلة، معتبرا أن هذه الخطوة تصب في الاتجاه الصحيح لتسريع تطوير الحقل.
وأضاف "شركة البترول الوطنية بدأت بتوقيع اتفاقيات لتزويد المصانع المحلية بالغاز الطبيعي، ما يسهم في خفض كلف الطاقة على القطاع الصناعي، ويعزز تنافسية المنتج الوطني، مؤكدا أن الاعتماد على الغاز المحلي يحقق بعدا سياديا مهما، ويدعم سياسة الاعتماد على الذات، رغم التحديات الفنية والكلف المرتفعة المرتبطة بعمليات التنقيب والإنتاج.
وشدد النسور على أهمية التعامل الواقعي مع التقديرات والأرقام المتعلقة بالاحتياطيات والإنتاج، داعيا إلى عدم التهويل أو التقليل، وبناء التوقعات على دراسات علمية دقيقة. 
وأوضح أن شركة البترول الوطنية، بوصفها الذراع الفنية للحكومة، نفذت على مدار السنوات الماضية دراسات متقدمة، شملت دراسات زلزالية ثلاثية الأبعاد، وجميع المتطلبات الفنية اللازمة قبل الشروع في عمليات الحفر، رغم محدودية الإمكانيات المتاحة.
وقال النسور "من المؤمل أن تشهد المرحلة المقبلة تطورا ملموسا في إنتاج حقل الريشة، إلى جانب حقول أخرى مثل حقل حمزة"، متوقعا أن تحمل الأعوام الحالية والقادمة مؤشرات إيجابية وبوادر خير لقطاع الطاقة المحلي، بما ينعكس على الاقتصاد الوطني ككل.