أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    02-Feb-2026

حمى الذهب.. هل ستتأثر أسعار السلع؟

 الغد-إسلام البدارنة

في عالم يشهد تقلبات اقتصادية غير مسبوقة، يظل الذهب مرآة تعكس حالة الأسواق والقلق المالي للمستثمرين، ورمزا للاستقرار في فترات عدم اليقين المالي والسياسي، وملاذا آمنا عند تصاعد الاضطرابات العالمية.
 
 
 
ارتفاع أسعار الذهب في الآونة الأخيرة إلى مستويات تاريخية جديدة قبل هبوطه، لم يكن مجرد مؤشر اقتصادي، بل أصبح علامة استفهام كبرى بالنسبة لكثيرين، متسائلين ما إذا كان هذا الصعود والإقبال سيؤثران على أسعار السلع الأساسية؟ أم أن تأثيره سيظل محدودا، محصورا في نطاق المستثمرين والمضاربين؟
 
 
ولا يقف هذا التساؤل عند حدود الربط المباشر بين سلعة وسعرها، بل يتجاوز ذلك إلى نقاش أعمق يمسّ العلاقة المعقّدة بين السيولة في السوق، والنشاط الإنتاجي، وقوة الطلب المحلي، فالذهب في نظر الخبراء، لم يعد مجرد معدن ثمين، بل تحوّل إلى أداة مالية يعاد من خلالها توجيه الأموال بين التداول والتخزين، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول انعكاساته المحتملة على حركة السوق والأسعار، فهل سيظل الذهب مجرد ملاذ آمن للمستثمرين، أم أنه سينعكس قريبا على جيوب المستهلكين والأسعار؟
 
 
 
الذهب يجمد السيولة.. وتأثيره على الأسعار متوازن 
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور قاسم الحموري أن الإقبال على الذهب سواء للمضاربة أو الادخار كملاذ أخير يؤدي إلى مشكلة في السيولة، حيث تتحول الأموال الموجودة لدى الناس إلى ذهب، وهو ما يعني تجميدها وخروجها من الدورة الاقتصادية، نتيجة لذلك يقل الطلب الاستهلاكي مما يساهم في تثبيت الأسعار.
 
لكن في المقابل، يشير الحموري إلى أن توجه أصحاب رؤوس الأموال نحو الذهب بدلا من النشاط الإقتصادي الإنتاجي يؤدي إلى انخفاض الإنتاج، ومع تراجع المعروض ترتفع الأسعار، بالتالي، "لدينا عامل يضغط باتجاه خفض الأسعار وآخر يدفع باتجاه رفعها، لتكون المحصلة النهائية شبه متوازنة".
 
 
ويضيف الحموري "ما يحدث في سوق الذهب لن يكون له تأثير مباشر على رفع الأسعار، إذ إن العوامل المؤثرة فعلا هي الاستقرار السياسي، الحروب، ارتفاع تكاليف النقل البحري، التأمين، وسلاسل التوريد، والشريحة التي تتعامل بالذهب محدودة ولا تؤثر على المستوى العام للاقتصاد أو الأسعار".
 
 
ويؤكد الحموري أن "الظروف العالمية وعدم الاستقرار تؤثر على سلاسل التوريد، ما يرفع كلفة السلع وأسعارها، كما أن مشاكل النقل البحري والتأمين والحروب التي ترفع أسعار النفط تؤدي بدورها إلى ارتفاع كلفة الإنتاج وبالتالي الأسعار، أما في الأردن، فضعف الطلب العام بسبب تراجع القوة الشرائية للأسر يحمي السوق المحلي من موجة غلاء، والوضع مطمئن حاليا مع أرقام تضخم منخفضة".
 
 
كما تشير الدراسات الاقتصادية الحديثة إلى أن هناك ارتباطا طويل الأجل بين أسعار الذهب والتضخم العام، حيث لوحظ أنه في فترات ارتفاع معدلات التضخم، يلجأ المستثمرون إلى الذهب كملاذ آمن لحماية أموالهم، ما يؤدي بدوره إلى زيادة الطلب على المعدن وارتفاع أسعاره.
 
 
 
القلق الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية 
يرى المحلل المالي وجدي مخامرة أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار الذهب لا يمكن قراءتها بمعزل عن حالة القلق الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية عالميا، حيث عاد المعدن الأصفر ليتصدر المشهد كملاذ آمن للمستثمرين، هذا الإقبال الكبير، الذي وصل إلى حد "الحمى الشرائية"، جاء مدفوعا بتوقعات تحقيق مستويات سعرية قياسية تصل إلى 6000 و7000 دولار بالإضافة إلى الفضة، خاصة في ظل المخاوف المرتبطة بالسياسات التجارية والتقلبات العالمية.
 
 
ويشير مخامرة إلى أن جزءا كبيرا من هذه الارتفاعات تم عبر العقود الورقية دون تسليم فعلي للذهب، ما أدى لاحقا إلى موجة تصحيحات حادة بعد تغيّر شروط الهامش، في إطار عمليات جني أرباح طبيعية تتبع عادة الارتفاعات غير المنطقية. ورغم هذه التراجعات، يؤكد أن التوقعات على المدى المتوسط والطويل ما تزال إيجابية وملاذ آمن، في ظل استمرار البنوك المركزية بشراء الذهب، وتأثير تراجع الدولار أو أسعار الفائدة التي تعزز الإقبال على المعادن الثمينة.
 
 
وعن تأثير ارتفاع الذهب على الأسعار في الأردن، يؤكد مخامرة: "الغلاء يتحكم به عوامل أخرى، مثل التضخم العالمي والسياسة النقدية، وليس الذهب مباشرة. أي ارتفاع محتمل مرتبط بتوترات جيوسياسية تؤثر على الأسعار العالمية، ويترجم إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، خاصة أن الأردن بلد مستورد".
 
 
ويخلص إلى أن أي تخفيف في أسعار الفائدة من شأنه دعم القوة الشرائية للمواطنين، في وقت تبقى فيه أسعار السلع رهينة لعوامل أوسع من تحركات الذهب وحدها.
 
 
 
السياق العالمي والمحلي
ويؤكد المختص في الاقتصاد السياسي زيان زوانة أنه من الصعب فصل أسعار الذهب عن هيكل الأسعار محليا وعالميا، باعتبار أن كليهما يشكلان انعكاسا مباشرا لحالة الفوضى والقلق التي خلقتها قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال العام الماضي، وهي حالة مرشحة للاستمرار طالما بقي في البيت الأبيض واستمرت سياساته على النهج نفسه سياسيا واقتصاديا وتجاريا.
 
ويشير زوانة إلى أن عولمة الأسواق والتجارة لم تختفِ، لكنها تشهد تحولا تدريجيا نحو اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، مثل الاتفاقيات بين كندا والصين، وكندا وقطر، والاتحاد الأوروبي والهند، في ظل سعي الدول لتقليص المخاطر وبناء شراكات أكثر موثوقية، فهذه الحالة من القلق لا تنعكس فقط على أسعار السلع والذهب، بل تمتد إلى أسعار صرف العملات، حيث تراجع الدولار الأميركي خلال العام الماضي بنحو 11 % أمام العملات الرئيسة، في وقت يتعرض فيه الين الياباني لضغوط إضافية مرتبطة بأوضاع الاقتصاد الياباني الممتدة منذ ثلاثة عقود.
 
 
ويرى أن الفوضى والتوترات العالميين يسهمان في تشكيل تكتلات دولية جديدة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تشمل الأبعاد السياسية والتجارية وحتى العسكرية، ما يدفع الحكومات وبنوكها المركزية إلى انتهاج سياسات تهدف لحماية مصالحها، بما في ذلك الأسعار، عبر التوسع في نهج الحمائية والاكتفاء الذاتي قدر الإمكان، إلى جانب عقد اتفاقيات تجارية موثوقة.
 
 
أردنيا، يوضح زوانة أن هذا التوجه ينطبق أيضا، معتبرا أن انعقاد القمة الأوروبية – الأردنية، والتحضير لمؤتمر الاستثمار المقبل، واستقبال الأردن لرئيس وزراء الهند ووزير خارجية الصين، ليست أحداثا عابرة، بل جاءت في سياق تحركات دبلوماسية واقتصادية أوسع، سبقتها زيارات الملك إلى عواصم أوروبية وآسيوية وكندا.
 
 
ويختم زوانة بالقول: إن القلق الناتج عن ارتفاع أسعار الذهب لا يشكل بحد ذاته ضغطا حقيقيا على صناع القرار، المنشغلين أساسا بحماية مصالح دولهم في مواجهة التحولات والمخاطر الجيوسياسية والجيواقتصادية، اقتصاديا وتجاريا ونقديا وسياسيا وعسكريا، ولا سيما في ظل التساؤلات القائمة حول مدى استقلالية الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي الأميركي أمام ضغوط ترامب، وما لذلك من تأثير على القرار النقدي الأميركي وانعكاساته على الاقتصاد العالمي.