أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    02-Feb-2026

بطالة اليوم: نقص وظائف أم غياب التكيف*د. محمد عبد الحميد الرمامنة

 الراي 

لم تعد البطالة اليوم مؤشرا على إشباع الوظائف، بل على غياب التكيّف. سوق يعيد تشكيل قواعده، وجيل لا يزال يقرأ النسخة القديمة. وبين النصين، تتكشف فجوة تبتلع الأحلام وتعيد تعريف معنى العمل. في بعض مدارسنا وجامعاتنا، ما زال الطلبة يتعلمون كيف يعيشون في الأمس، بينما العالم يسير نحو الغد، فتتراكم الشهادات وتغيب المهارات، وتصبح البطالة نتيجة حتمية.
 
عندما دوّى صوت الآلة البخارية للمرة الأولى في مصانع القرن الثامن عشر، اعتقد الحرفيون أن العالم يلفظ أنفاسه الأخيرة. اختفت أنامل النسّاجين، وغاب ضوء الورش الصغيرة، وارتفعت جدران المصانع كقلاع فولاذية تبتلع آلاف الأيدي العاملة. يومها وُلد الخوف من البطالة، لكنه لم يمكث إلى أن تحوّل إلى ولادة عصر جديد للاقتصاد. ظهرت مهن لم تكن تخطر على البال، وتشكّلت طبقات اجتماعية جديدة، وتغيّر مفهوم العمل من الحرفة إلى الصناعة. كانت الثورة الصناعية درسًا قاسيًا في أن التاريخ لم يقتل العمل، بل أعاد تعريفه.
 
اليوم، تتكرّر القصة بصورة أكثر سرعة وحدة. لم يعد صوت الماكينات هو الذي يعلن التغيير، بل خوارزميات تعمل خلف الشاشات، تحلّل وتبرمج وتقرّر. الروبوتات لا تطرق الأبواب، بل تدخل بقوة إلى المصانع والمكاتب والبنوك، وتنجز في دقائق ما كان يحتاج إلى أيام. الذكاء الاصطناعي لا يرفع رايات التحدي، بل يقدّم نفسه كحلّ أنيق للكلفة والوقت والدقة. ومع كل خطوة إلى الأمام، تتراجع وظائف اعتدنا على ممارستها، وتولد أخرى لا تزال أسماؤها غريبة على مسامعنا.
 
المفارقة المؤلمة والعجيبة تكمن في أن المشكلة لم تعد في نقص الوظائف، بل في استفحال المسافة بين الفرد والسوق. المدارس والجامعات لا تزال تعلّم أبناءها كيف يعيشون في الأمس، بينما العالم يركض نحو الغد. شهادات تكدّست أمام فرص مغلقة، وتخصصات تشبّعت حتى الاختناق، في مقابل نقص حاد للمهارات الرقمية، والتفكير النقدي، والابتكار، والعمل الحر. وهكذا نشأت فجوة عميقة، لا تُرى في الإحصاءات فقط، بل تُلمس في عيون الشباب المعلّقة بين أمل مؤجّل وواقع صعب.
 
ومع ذلك، تنمو فرص هائلة لأولئك القادرين على إعادة اكتشاف ذواتهم. الاقتصاد الرقمي يفتح نوافذ لا تحصى للعمل عن بعد، والريادة، والإبداع. وفي وسط هذه الفرص يظهر التعليم التقني والمهارات التطبيقية كبوابة تربط الإنسان بالسوق، ومفتاحًا للتوازن بين الأمن الاقتصادي والاجتماعي. أصبحت القدرة على التعلم والتكيف والتقنية شرط البقاء والنجاح في عالم تتلاطم فيه التغيرات بلا هوادة.
 
وهكذا، فإن البطالة في عصر الثورة الرقمية ليست حكمًا بالإقصاء، بل إنذارًا بالتحوّل. من يفهم الرسالة يعبر إلى الضفة المقابلة للنمو والاستقرار، ومن يتجاهلها يبقى واقفًا على الرصيف، يلوّح لوظائف رحلت دون وداع. وفي النهاية، لا يبقى من العمل إلا معناه الأعمق: أن نكون قادرين على التجدّد، لأن الثبات في عالم متحرّك هو الشكل الأشد قسوة من أشكال البطالة.