مشاهد "التدافع" على الزيت.. خلل في الاستيراد أم فشل بالتنظيم؟
الغد-عبدالله الربيحات وطارق الدعجة
أثار مشهد التدافع على فروع المؤسسة الاستهلاكية المدنية بحثا عن الزيت التونسي المستورد، بما صاحبه من مشاهد مؤسفة، العديد من التساؤلات حول الأسباب، فيما أكد خبراء زراعيون أن ما حصل من تهافت يعود لـ"غياب التخطيط المسبق" في التعامل مع موسم الحصاد وتقديرات إنتاج زيت الزيتون.
وبين هؤلاء الخبراء لـ"الغد" أن التكنولوجيا الحديثة باتت تتيح قراءات دقيقة لحجم المحصول قبل بدء الحصاد، مشيرين إلى أن التقديرات التي أُعلنت سابقا والتي توقعت إنتاجا لا يتجاوز 16 ألف تنكة زيت ثبتت صحتها بعد انتهاء الموسم.
وقالوا إن الأزمة الحالية كان يمكن تجنبها لو استندت الوزارة إلى البيانات المتوفرة مسبقا، معتبرين أن التخطيط السليم والاعتماد على أدوات الرقمنة الحديثة كفيلان بتفادي مثل هذه الهزات في المستقبل.
في المقابل بينت وزارة الزراعة أنه ولغاية الخميس الماضي بلغت كميات الزيت المستورد التي دخلت المملكة 1500 طن فقط، مشيرة إلى أنه منذ انتهاء موسم حصاد الزيت المحلي تم تحديد الفجوة لتغطية النقص الحاصل والتي قُدرت حينها بكمية تتراوح من 8 آلاف طن إلى 10 آلاف طن، وتم منح رخص لكل من تقدم للاستيراد لكن بعض التجار لم يستوردوا مطلقا وانتهت مدة الرخصة، كما أن جزءا آخر من التجار تأخر في الاستيراد عندما عرف تكلفة أجور الشحن وشروط الاستيراد.
وقالت الوزارة إن المشكلة ستنتهي تباعا بعد وصول كميات إضافية خلال الشهرين المقبلين.
انتقادات لـ"الزراعة"
في السياق، وجّه الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي انتقادا لوزارة الزراعة بسبب ما وصفه "غياب التخطيط المسبق" في التعامل مع موسم الحصاد وتقديرات إنتاج مادة زيت الزيتون.
وأوضح الزعبي أن التكنولوجيا الحديثة باتت تتيح قراءات دقيقة لحجم المحصول قبل بدء الحصاد، مشيرا إلى أن التقديرات التي أعلنها سابقا، والتي توقّعت إنتاجا لا يتجاوز 16 ألف وحدة، ثبتت صحتها بعد انتهاء الموسم.
وأضاف أن الوزارة كان بإمكانها اتخاذ قرارات مبكرة تمنح الموافقات اللازمة وتمنع حدوث أزمة في السوق، مؤكدا أن التأخر في الإجراءات أدى إلى ارتباك في قطاع زيت الزيتون وخلق حالة من الفوضى لدى المستهلكين.
وأشار الزعبي أيضا إلى أن فتح الاستيراد ومنع التصدير في موضوع اللحوم لم يكن ضروريا، خاصة وأن السوق المحلي يعتمد على اللحوم المستوردة لسد النقص، لافتا إلى أن تصدير الخراف بأسعار مرتفعة واستيراد اللحوم بأسعار أقل يحقق قيمة مضافة للاقتصاد، ولا يستدعي فرض قيود جديدة.
كما انتقد ما وصفه بـ"الهجمات غير المبررة" على الأسواق المركزية والمؤسسات الاستهلاكية، حيث اضطر المواطنون إلى التنقل بين الفروع بحثا عن السلع الأساسية، في مشهد يعكس ضعف التنسيق وغياب الرؤية الإستراتيجية.
وأكد أن الأزمة الحالية كان يمكن تجنبها لو استندت الوزارة إلى البيانات المتوفرة مسبقا، معتبرا أن التخطيط السليم والاعتماد على أدوات الرقمنة الحديثة كفيلان بتفادي مثل هذه الهزات في المستقبل.
سياسة التدرج
من جهته، بيّن وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن قرار الوزارة بمنح رخص استيراد زيت الزيتون من تونس أو من مختلف المناشئ المعتمدة لكل من يتقدم بطلب، ورفع سقف الاستيراد إلى 12 ألف طن بدلا من 8 آلاف طن، جاء لاعتبارات منها أن الوزارة لا تريد تخزين كميات من الزيت المستورد، الأمر الذي سيؤدي إلى ضرب الموسم المقبل، لا سيما وأنه يُتوقع أن تكون كميات الزيت العام المقبل مُضاعفة عن هذا العام.
وبيّن المصري أن التهافت على الزيت التونسي يعود لرخص سعره قياسا بالزيت المحلي.
فيما قال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني، إن وزارة الزراعة أكدت التزامها بضبط استقرار أسعار زيت الزيتون في السوق المحلي، من خلال فتح باب استقبال طلبات استيراد الزيت من المناشئ المعتمدة، وعلى رأسها تونس، لجميع المتقدمين، وأوضحت الوزارة أن هذا القرار يأتي ضمن إستراتيجية تدريجية لتعزيز المعروض، حيث قررت رفع سقف كميات الاستيراد المسموح بها لتصل إلى 12 ألف طن، بعد أن كانت محددة بـ8 آلاف طن سابقا.
وقال بني هاني إن هذا الإجراء يأتي لضمان توفير احتياجات المواطنين من هذه السلعة الأساسية بأسعار عادلة ومقبولة، وقطع الطريق على أي ممارسات احتكارية قد يلجأ إليها البعض، وفي الوقت ذاته، تحرص الوزارة من خلال هذه السياسة المتوازنة على حماية المزارع الأردني والحفاظ على قيمة المخزون المحلي من الزيت، بما يضمن استدامة القطاع الزراعي وضمان توفر المادة بجودة عالية للمستهلك طوال العام.
انتهاء المشكلة خلال شهرين
في المقابل، بيّن مساعد الأمين العام للتسويق في وزارة الزراعة، المهندس خليل عمرو، لـ"الغد" أنه ولغاية الخميس الماضي، بلغت كميات الزيت المستورد 1500 طن فقط، مبينا أنه ومنذ انتهاء موسم حصاد الزيت المحلي تم تحديد الفجوة لتغطية النقص الحاصل، وقُدِّرت حينها بما يتراوح من 8 آلاف إلى 10 آلاف طن، ومُنِحَت رخص لكل من تقدم، إلا أن بعض التجار لم يستوردوا مطلقا، وانتهى موعد رخصة الاستيراد، كما أن جزءا آخر من التجار تلكأ في الاستيراد عندما عرف تكلفة أجور الشحن وشروط الاستيراد.
وأضاف إن المشكلة ستنتهي تباعا بعد وصول كميات إضافية خلال الشهرين المقبلين.
وكان أكد وزير الزراعة، الدكتور صائب الخريسات، في تصريحات صحفية أمس، أن وزارة الزراعة ستمنح رخص استيراد زيت الزيتون من تونس أو من مختلف المناشئ المعتمدة لكل من يتقدم بطلب، مشيرا إلى رفع سقف الاستيراد إلى 12 ألف طن بدلا من 8 آلاف طن.
وكانت المؤسسة الاستهلاكية المدنية بدأت أمس بيع زيت الزيتون التونسي وفق آلية تعتمد منح الأدوار لتجنب الازدحام الذي حصل خلال الأيام الماضية، بحسب مدير عام المؤسسة عصام الجراح.
ولفت الجراح إلى استمرار المؤسسة في استيراد الزيت لتلبية الاحتياجات، مشددا على أن البيع سيكون لمن يمتلك دورا فقط، وأن منح الأدوار مستمر، مع إمكانية العودة بالدور ذاته للشراء عند توفر كميات جديدة.
وأضاف الجراح: "تعاقدنا مع أكثر من شركة لاستيراد الزيت، ولا يوجد داعٍ للتهافت، والمؤسستان المدنية والعسكرية متعاقدتان على كميات كبيرة، وسيبقى السعر ذاته".
وقال إنه ستتوفر كميات كبيرة من زيت الزيتون التونسي خلال الأسبوع المقبل، مع وصول دفعات متتالية خلال آذار (مارس) المقبل.
وأشار الجراح إلى أن الأسبوع الحالي سيشهد وصول كمية كبيرة من الحاويات، كما ستصل كمية كبيرة أخرى مطلع آذار، إضافة إلى دفعة كبيرة بتاريخ 15 آذار، وهي كميات متتالية ستباع بنفس السعر.
وأوضح أن المؤسستين العسكرية والمدنية تبيعان عبوة زيت الزيتون التونسي سعة 5 لترات بسعر 21 دينارا، وهو سعر التكلفة، نظرا لأن المؤسستين خدميتان وتعدان أذرعا للدولة في توفير المواد الاستهلاكية والرئيسة للمواطنين بجودة عالية وبأسعار معقولة، وهما مؤسستان غير ربحيتين تهدفان إلى توفير الخدمة للمواطنين أينما كانوا، إضافة إلى توفير مخزون إستراتيجي للدولة لبعض السلع الأساسية.
وبيّن أنه وبتوجيه من وزير الصناعة والتجارة يعرب القضاة، تم اتخاذ إجراءات لتجاوز التهافت الذي حدث على أسواق المؤسسة لشراء مادة زيت الزيتون، نظرا للكمية المحدودة التي وصلت من المادة، حيث آثرت المؤسسة توزيع الكمية مباشرة على المواطنين نظرا لحلول شهر رمضان المبارك للاستفادة منها.
وأشار إلى أنه تم توزيع المادة على جميع أسواق المؤسسة المنتشرة وعددها 70 سوقا، لافتا إلى أنه كان هناك تهافت وأعداد كبيرة في بعض المناطق، وفي بعض الأسواق كانت هناك صعوبة في البيع نظرا لكثرة أعداد المتواجدين.
وأضاف إنه منذ صباح أول من أمس تم اتخاذ إجراء آخر تمثل بتوزيع بطاقات على المشترين بحيث يحصل كل مشترٍ على عبوة واحدة من الزيت بطريقة منظمة، مؤكدا أن جميع من تواجدوا حصلوا على المادة دون استثناء، وتم بيع كامل الكمية بتنظيم وتعاون من قبل المواطنين، حيث كان كل شخص يحمل بطاقة تتضمن دوره ويُحاسَب عليها بعد حصوله على الزيت.
ولفت الجراح إلى أنه ونظرا للطلب المتزايد على زيت الزيتون التونسي من أكثر من جهة، تصل دفعات متتالية منه، مبينا أن هناك مشكلة واجهت الموردين فيما يتعلق بالصفائح الحديدية، وهي شرط من شروط رخصة الاستيراد الأردنية، في حين أنهم عادة ما يصدرون زيت الزيتون بعبوات بلاستيكية صحية إلى مختلف دول العالم، إلا أن هذا الشرط تطلب وقتا لعلاجه، إضافة إلى أن الشحن البحري يستغرق نحو 30 يوما تقريبا.
عوامل تنظيمية
من جانبه، قال ممثل قطاع المواد الغذائية في غرفة تجارة الأردن المهندس جمال عمرو إن التهافت على زيت الزيتون التونسي في الأسواق المحلية وما رافقه من نقص في الكميات المتوفرة جاء نتيجة عوامل تنظيمية تتعلق بإجراءات الاستيراد.
وبحسب عمرو يصل سعر لتر زيت الزيتون التونسي في المراكز التجارية إلى 4.65 دينار، في حين يصل في أسواق المؤسستين المدنية والعسكرية إلى 4.20 دينار.
وأوضح عمرو أن باب استيراد زيت الزيتون كان مغلقا منذ نحو 8 سنوات، إلا أن انخفاض إنتاج الموسم الماضي دفع وزارة الزراعة إلى إعادة فتح باب الاستيراد بعد تقدير العجز في السوق المحلي بما يتراوح بين 10 آلاف و12 ألف طن، وذلك بهدف ضمان استقرار توفر هذه السلعة الأساسية للمستهلكين.
وأضاف إن الوزارة منحت رخص استيراد لما يتراوح من 60 إلى 100 تاجر، إلا أن الكميات المسموح باستيرادها في المرحلة الأولى كانت محدودة، حيث لم تتجاوز 25 طنا لكل تاجر، ما أدى إلى دخول كميات أقل من المطلوب مقارنة بحجم الطلب في السوق، الأمر الذي ساهم في استمرار حالة النقص المؤقت وزيادة الإقبال على المنتج التونسي.
وبين أن كميات زيت الزيتون التونسي التي تم طرحها في الأسواق تقدر بما يقارب 1000 طن منذ فتح باب الاستيراد.
وأكد عمرو أن معالجة هذه الأزمة تتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات، أبرزها رفع سقف الكميات المسموح باستيرادها لكل تاجر إلى 100 طن، وتمديد فترة الاستيراد نهاية إلى حزيران (يونيو) المقبل، بما يمنح المستوردين الوقت الكافي لإتمام عمليات الاستيراد بشكل منظم، إضافة إلى تبسيط الإجراءات وإلغاء القيود والشروط المعقدة التي تعيق سرعة دخول الشحنات.
وأشار إلى أن السوق المحلي سيشهد تحسنا تدريجيا خلال الفترة المقبلة، حيث من المتوقع وصول شحنات جديدة تبلغ نحو 500 طن الخميس المقبل، تليها كمية مماثلة بداية الشهر المقبل، ما سيسهم في تعزيز المعروض وتخفيف الضغط على الأسواق.
وشدد عمرو على أن تنفيذ هذه الإجراءات من قبل الجهات المعنية سيساعد على إنهاء الأزمة خلال فترة تتراوح بين 60 و90 يوما، مؤكدا حرص القطاع التجاري على ضمان استقرار السوق وتوفير زيت الزيتون بكميات كافية وأسعار مناسبة للمواطنين.
ضرورة تنظيم البيع
بدورها دعت الجمعية الوطنية لحماية المستهلك المؤسستين المدنية والعسكرية إلى تنظيم عملية بيع مادة زيت الزيتون، بما يضمن عدم تكرار حالات التدافع التي شهدتها بعض الفروع مؤخرا، والتي أثرت على انسيابية تزويد المواطنين بهذه السلعة الأساسية.
وقال الناطق الإعلامي باسم الجمعية ماهر الحجات إن تنظيم عمليات البيع يهدف إلى ضمان حصول جميع المواطنين الراغبين في شراء زيت الزيتون على هذه المادة بكل شفافية وعدالة، ومنع احتكارها من قبل فئة محددة على حساب مواطنين آخرين، مؤكدا ضرورة اتخاذ إجراءات واضحة لتنظيم الدور وتحديد آليات توزيع عادلة.
وطالب الحجات وزارة الزراعة بالسماح باستيراد كميات أكبر من زيت الزيتون، وزيادة عدد التجار المسموح لهم بالاستيراد، نظرا لأهمية هذه المادة في حياة المواطنين اليومية، خاصة بعد حالات التدافع التي شهدتها فروع المؤسسة الاستهلاكية المدنية والمؤسسة الاستهلاكية العسكرية نتيجة زيادة الطلب عليها.
وأكد الحجات ضرورة الالتزام بطرح الكميات المستوردة في الأسواق المحلية وفق نفس الأسعار المعتمدة في أسواق المؤسستين المدنية والعسكرية، مع الالتزام بذات الخصائص والمواصفات المعتمدة، بما يضمن تحقيق العدالة بين المواطنين ومنع وجود فروقات سعرية أو اختلاف في الجودة.
وشدد الحجات على أهمية اتخاذ هذه الإجراءات بشكل عاجل لضمان استقرار السوق المحلي، وتوفير زيت الزيتون بكميات كافية، وبما يحمي حقوق المستهلك ويعزز مبادئ العدالة والشفافية في توزيع السلع الأساسية.