الغد-سماح بيبرس
تتجه النقاشات حول مشروع القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي، إلى نقطة محورية مفادها بأن الإصلاح، لا يُقاس بتشديد شروط الاستحقاق أو بتأخير المنافع، بل بقدرة التعديلات على إنتاج حزمة متوازنة تجمع بين الاستدامة والعدالة وتوسيع الشمول، مع حماية الحقوق المكتسبة وتجنب "الصدمة التشريعية".
وفي هذا السياق، يبرز اتجاه واضح لدى خبراء في الحماية الاجتماعية، يدعو لإعادة ضبط مشروع القانون، على قاعدة إصلاحية تبدأ بمعالجة الاختلالات في الإيرادات، والامتثال وتوسيع قاعدة المشتركين، بالتوازي مع أي تغييرات في سن التقاعد أو مدد الاشتراك، بحيث لا تتحول الاستدامة إلى عبء يتحمله المؤمن عليهم وحدهم.
عوض: التعديلات الحالية غير متكاملة
الخبير أحمد عوض، قال إن إصلاح منظومة الضمان، ضرورة لضمان استدامتها، بوصفها العمود الفقري لمنظومة الحماية الاجتماعية، مبينا بأن التعديلات المقترحة حاليا منقوصة وغير متكاملة. فمشروع القانون بالشكل الذي كُتب به، "لن يمر ويصبح نافذا" ما لم يخضع لمراجعة عميقة ومتوازنة. موضحا بأن الإشكالية لا تكمن في مبدأ رفع سن التقاعد أو زيادة الاشتراكات بحد ذاتهما، بل في غياب حزمة إصلاحية متوازنة تراعي التدرج العادل وتحمي الحقوق المكتسبة، وتربط أي تشديد في شروط الاستحقاق بسياسات داعمة في السوق ومستويات الأجور. مشددا على أن الإصلاح الحقيقي هو بالجمع بين الاستدامة والعدالة وتوسيع الشمول.
وأكد عوض ضرورة تحصين استقلالية المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وتقليص تدخلات الحكومة في القرار التأميني، معتبرا ذلك شرطا أساسيا لأي إصلاح جاد ومستدام. وبشأن رفع سن تقاعد الشيخوخة، بيّن أن المبدأ بحد ذاته ليس محل اعتراض إذا جاء ضمن إطار إصلاح متكامل، يستند لاعتبارات إكتوارية واضحة، ويراعي التحولات الديموغرافية ومتطلبات الاستدامة المالية. مشددا على أن قبول هذا التوجه مشروط بتوافر ضمانات تشريعية واجتماعية، تكفل العدالة وتحمي الحقوق المكتسبة، وتربطه بواقع السوق.
وحول التقاعد المبكر، أوضح بأن هذا المسار لم يعد استثناءً تأمينياً محدوداً كما تفترض فلسفته الأصلية، بل تحول لمسار واسع الانتشار تغذيه عوامل بنيوية في السوق والسياسات العامة، مشيرا إلى أنه استُخدم تاريخياً كأداة لمعالجة اختلالات التشغيل وإعادة الهيكلة، بخاصة في القطاع العام، ما أدى لنقل كلفة قرارات إدارية من الموازنة العامة إلى صندوق الضمان الاجتماعي.
وأضاف أن ضعف مستويات الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، جعلا الخروج المبكر من سوق العمل خياراً اقتصادياً اضطرارياً لدى شريحة عاملين باحثين عن قدر من الاستقرار المالي. مبينا أن رفع عدد الاشتراكات المطلوبة، قد يحد من التوسع الكمي في الإحالات إلى التقاعد المبكر، لكنه لن يعالج جذور الظاهرة، ما لم يُدرج ضمن مقاربة إصلاحية أوسع تعالج الأسباب الهيكلية الدافعة إليها.
وبشأن توسيع مظلة الشمول، اعتبر عوض بأنه "حجر الزاوية" في أي إصلاح مستدام لمنظومة الضمان، لا سيما في ظل استمرار نسب مرتفعة من العاملين غير المشمولين قدرتها المؤسسة بـ54 %، واتساع الاقتصاد غير المنظم وتنامي أنماط العمل غير التقليدية. مؤكدا أن تعزيز الاستدامة المالية للصندوق لا يتحقق فقط بتشديد شروط الاستحقاق، بل بتوسيع قاعدة المشتركين وزيادة عدد المساهمين الفاعلين في النظام.
وشدد على ضرورة توفير دعم حكومي مباشر لاشتراكات الفئات الهشة لتسهيل اندماجها في الضمان، مبيناً أن الفقر وعدم استقرار الدخل يجعلان الاشتراك الكامل وفق الصيغة الحالية غير واقعي لكثير من هذه الفئات. معتبرا بأن الاستثمار العام بدعم الاشتراكات خطوة إستراتيجية لتعزيز الشمول وزيادة القاعدة التمويلية على المديين المتوسط والطويل، وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية. داعيا لإعادة تصميم نظام الاشتراك الاختياري ليصبح أداة جذب حقيقية عبر خفض كلفته وتجزئة الاشتراك بحسب نوع التأمين.
وفي محور الحوكمة واستقلالية المؤسسة، أشار عوض إلى أن التعديلات المقترحة، خطوة سليمة شريطة أن تُكرّس في نص القانون استقلالية فعلية للمؤسسة، وتحد بوضوح من تدخلات الحكومة في السياسات التأمينية والاستثمارية وقرارات الإدارة. ودعا لاعتماد معايير استثمار احترافية لصندوق استثمار الضمان، تقوم على تنويع المحافظ الاستثمارية وإدارة المخاطر، وتجنب التركز المفرط في أدوات دين الحكومة، حتى لا تتحول أموال الضمان إلى مصدر تمويل أساسي للدين العام، بما قد يعرّض استدامة الصندوق ومصالح المشتركين لمخاطر غير مبررة.
أبو نجمة: التعديلات تنقل عبء الاستدامة إلى المؤمن عليهم
الخبير حمادة أبو نجمة، قال إن التعديلات المقترحة على قانون الضمان، لا يمكن التعامل معها بوصفها تغييرات فنية محضة، لأنها تمس بصورة مباشرة فلسفة الحماية الاجتماعية، موضحا بأن هذه الإجراءات قد تبدو على الورق محسّنة للمؤشرات الإكتوارية لأنها تؤخر صرف المنافع وتطيل مدد الاشتراك، لكنها عملياً تنقل عبء الاستدامة إلى المؤمن عليهم أنفسهم، عبر إلزامهم بسنوات إضافية من العمل أو الانتظار أو الدفع، من دون ضمان واقعي بأن سوق العمل قادر على إبقائهم في وظائف مستقرة، حتى بلوغ السن الجديدة أو استكمال الاشتراكات المطلوبة.
وأضاف أبو نجمة، أن رفع سن استحقاق تقاعد الشيخوخة سيقود مباشرة لتأخير حصول فئات واسعة على راتبها التقاعدي، وتقليص نسبة من سيتمكنون فعلياً من الوصول لراتب دوري. فالسوق يتسم بتبدل الوظائف وفترات الانقطاع المتكررة واتساع نطاق العمل غير المنظم، ما يجعل استكمال 20 سنة اشتراك منتظم، أمراً بالغ الصعوبة لكثير من العاملين، خصوصاً النساء والعاملين في القطاعات الهشة، ممن تتكرر لديهم الانقطاعات الوظيفية وتتعقد قدرتهم على الاستمرار باشتراك منتظم طويل الأمد.
وأوضح أبو نجمة أن اشتراط 360 اشتراكاً فعلياً للتقاعد المبكر يحوّل هذا المسار عملياً إلى تقاعد متأخر أو شبه مستحيل، لأن تحقيق 30 سنة اشتراك فعلي متصل أو شبه متصل في ظل ظروف السوق الحالية يبدو بعيداً عن الواقع. مبينا بأن المشكلة لا تكمن فقط بتضييق إمكانية التقاعد المبكر، بل بتجاهل الأسباب البنيوية التي تدفع العاملين لهذا الخيار، وعلى رأسها سياسات إنهاء الخدمة المبكر في القطاعين العام والخاص وضعف الحماية التشريعية والإدارية للاستقرار الوظيفي. محذّرا من أنه إذا بقيت هذه السياسات قائمة، فتقليص نافذة التقاعد المبكر لن تمنع الخروج المبكر من السوق، بل قد تحوّله لبطالة طويلة الأمد أو لعمل غير منظم بلا حماية، بما يعني خلق فجوة حماية جديدة بكلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة.
وأضاف أن المقارنات الدولية التي تُطرح أحياناً لتبرير رفع سن التقاعد لـ65 عاماً أو أكثر تحتاج لقدر أكبر من التدقيق، فالدول التي تعتمد سن تقاعد يبلغ 65 أو 67 عاماً، كألمانيا والدنمارك وهولندا والسويد وفنلندا، تتمتع بمتوسط عمر متوقع يتراوح بين 81 و83 عاماً، أي أعلى من الأردن بنحو 7 إلى 8 سنوات، إضافة إلى ارتفاع العمر الصحي المتوقع فيها، ما يعني سنوات أطول من القدرة الفعلية على العمل. كما أن أسواق العمل في تلك الدول، أكثر قدرة على استيعاب كبار السن، مع معدلات بطالة منخفضة ومشاركة اقتصادية مرتفعة، وهي عناصر لا تتوافر بالمستوى ذاته في الأردن.
وفي هذا السياق، طرح أبو نجمة تساؤلاً حول أولوية الإجراءات، لافتاً إلى أن التقديرات تشير إلى أن التهرب التأميني يتجاوز 22 %، مع وجود مديونيات متراكمة كبيرة على منشآت ومؤسسات حكومية، تزيد على مليار دينار. مبينا أن المنطق الإصلاحي لا يبرر أن يبدأ المشروع بتحميل الملتزمين مزيداً من القيود، بينما تبقى منافذ التهرب والاختلالات الأساسية دون علاج حاسم، ما يخلق شعوراً بعدم الإنصاف ويضعف الثقة العامة بالنظام.
كما حذر أبو نجمة من أن تشديد شروط استحقاق الشيخوخة إلى 240 اشتراكاً والتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكاً سيقود لخروج عدد أكبر من المشتركين من النظام قبل الوصول إلى راتب تقاعدي دوري، لينتهي بهم الأمر لتعويض الدفعة الواحدة. مشيرا إلى أن هناك نصوصا تسمح بشمول المنشأة من تاريخ تقديم الطلب فقط دون محاسبتها عن الفترات السابقة، أو التي تتيح لبعض المنشآت عدم شمول عامليها بتأمين الشيخوخة لمدة سنة.
وفي جانب آخر، لفت أبو نجمة إلى أن التوسع في إنفاق أموال الضمان على مجالات غير تأمينية أو شبه تأمينية، كتمويل برامج السلامة والصحة المهنية، يثير الحساسية، فمع الإقرار بأهمية الوقاية، فإن أموال التأمينات يجب أن تبقى موجهة حصراً لتحقيق الغايات التأمينية المباشرة وبأضيق الحدود، وألا تتحول لبديل عن التزامات الدولة وأجهزتها الرقابية، لأن تحويل صندوق الضمان لممول احتياطي لأي فجوة حكومية، يضعف فلسفة تحصين الأموال التأمينية ويزيد الحساسية المجتمعية تجاه إدارتها.
الصبيحي: مواد في القانون لا تحقق الاستدامة والعدالة
وقال الخبير موسى الصبيحي إن مشروع القانون، ورغم ما تضمنه من مواد إيجابية، يحمل في بعض جوانبه تناقضات تمس الهدف الأساسي من التعديلات. فقد اشتمل على مواد جيدة، بخاصة ما يتعلق بتعزيز الحوكمة وتعيين محافظ لمؤسسة الضمان، وإن كان يرى ضرورة توفير حصانة أكبر لهذا الموقع، بالإضافة لتضمين نصوص تستوعب أنماط عمل جديدة، توسّع من قاعدة المشمولين. مشددا على أن مواد جاءت متناقضة ولا تحقق الغاية المرجوة من التعديلات، والمتمثلة بتعزيز الاستدامة المالية للنظام التأميني، وتقوية الحماية والعدالة الاجتماعية لمكونات النظام من مشتركين ومنتفعين وأجيال قادمة.
وبيّن أن مسودة التعديلات تضمنت نقاط اشتباك مع هذين الهدفين، من بينها حرمان العاملين في المنشآت التي تشغّل 5 عمال فأقل من الشمول بتأمين التقاعد الوجوبي والمبكر والعجز والوفاة لعام كامل، معتبراً بأن هذا الإجراء سيؤدي لخفض إيرادات الضمان وتقليص مستوى الحماية الاجتماعية للعمال. منتقدا ترتيب اشتراكات جديدة على المؤمن عليه العامل في المهن الخطرة بنسبة 1 % من أجره، واصفاً ذلك بأنه يشكّل عبئاً إضافياً على هذه الفئة بدلاً من تحفيزها وتمييزها في ضوء طبيعة ما تتحمله من مخاطر.
وأشار الصبيحي إلى أن عدم اعتبار شهر الإنذار للعامل المنتهية خدمته مشمولا بالضمان، لا سيما إذا لم يلتحق بعمل آخر في ذلك الشهر، ما سيضعف حماية العامل وخفض إيرادات المؤسسة، وترتيب عبء إضافي على صندوق التعطل عن العمل. وتوقف أيضاً عند نص رفع الرواتب التقاعدية الإجمالية بحيث لا يقل الراتب عن 200 دينار، موضحاً بأن المادة القانونية النافذة تلزم بالتعامل مع الحد الأدنى الأساسي، وليس الإجمالي، لراتب التقاعد وإعادة النظر به ورفعه كل 5 سنوات.
وانتقد الصبيحي المادة التي تسمح للضمان بالتبرع بمبالغ مالية، لما تفتحه مستقبلاً من أبواب لمزيد من الصرف من أموال الضمان خارج نطاق تطبيق القانون، بما ينتقص من مبدأ تحصين أموال المؤسسة في مرحلة تتطلب الحفاظ على كل دينار.
وأشار الصبيحي إلى أن مسودة القانون تضمنت نقطتين حسّاستين أثارتا استياء وقلق شريحة واسعة من مشتركي الضمان، لما لهما من تداعيات على الثقة واستقرار النظام التأميني. الأولى رفع سن تقاعد الشيخوخة ورفع مدة الاشتراك المطلوبة لـ240 اشتراكاً، أما الثانية فتتعلق برفع عدد الاشتراكات المطلوبة لاستحقاق راتب التقاعد المبكر، بصرف النظر عن سن المؤمن عليه.
وأكد الصبيحي ضرورة التوصل لحل توافقي يحظى بقبول الغالبية ويخفف من حجم المتضررين الذين فوجئوا بإقحام هذين التعديلين دفعة واحدة، بما أربك خططهم وترتيباتهم التقاعدية.