قفزة قياسية للاستثمارات الأجنبية ومطالب بمزيد من الحوافز لمواصلة الزخم
الغد-طارق الدعجة
تعزيز الترويج الموجه لأسواق وقطاعات واعدة وإستراتيجية
في الوقت الذي تشهد فيه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى المملكة قفزة بنسبة 27.7 %، أكد اقتصاديون أن الحفاظ على استدامة نموها خلال الفترة المقبلة، يتطلب تعزيز الاستقرار التشريعي، والوضوح في السياسات الاقتصادية، وتبسيط الإجراءات إلى جانب تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتقديم حوافز نوعية مرتبطة بالقيمة المضافة والتشغيل والتصدير.
يأتي ذلك، في الوقت الذي كشفت فيه معطيات إحصائية للبنك المركزي الأردني أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى المملكة خلال الثلاثة أرباع من العام الماضي، بلغت نحو 1.525 مليار دولار، مقارنة مع 1.194 مليار دولار للفترة نفسها من العام 2024.
وشدد هولاء الاقتصاديون في أحاديث منفصلة لـ"الغد"، على ضرورة تعزيز الترويج الاستثماري الموجه نحو أسواق واعدة وقطاعات استراتيجية ذات أولوية وطنية، لضمان تحويل هذا النمو إلى تنمية اقتصادية حقيقية وشاملة.
وشددوا على أهمية جذب استثمارات عالية الجودة في القطاعات ذات الأولوية الوطنية، لتحقيق قيمة مضافة حقيقية تعزز النمو الاقتصادي وتنعكس إيجاباً على المجتمع، إلى جانب تقديم خدمات ما بعد الاستثمار لضمان استمرار المستثمرين وتوسيع الخدمات الحكومية الرقمية.
وبحسب البيانات الرسمية، استحوذت الدول العربية على ما نسبته 62 % من إجمالي هذه التدفقات خلال الثلاثة أرباع من العام الماضي، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 29.4 %، حيث تصدرت السعودية المرتبة الأولى بما نسبته 18.8 %، تلتها الكويت 4.1 %، ثم الإمارات 3.7 %. أما للدول العربية الأخرى، فجاء العراق بالمرتبة الأولى بنسبة 11.5 %.
أما الدول الأوروبية، فقد شكلت 13.6 % من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى المملكة خلال الثلاثة أرباع الأولى من العام الماضي، منها 9.4 % تعود لدول الاتحاد الأوروبي و2.9 % للمملكة المتحدة، فيما ساهمت الولايات المتحدة في هذه التدفقات بما نسبته 3.1 %، أما دول آسيا غير العربية، فساهمت بما نسبته 2.3 % من إجمالي التدفقات، إذ تصدرت الهند هذه الدول بما نسبته 1.5 %.
العلاونة : الاستثمار بقطاعات إنتاجية لتوفير فرص عمل مستدامة
بدوره أكد رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين، أيمن العلاونة، أن الارتفاع الملحوظ في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة خلال الثلاثة أرباع الأولى من العام الماضي، يعكس تعاظم ثقة المستثمرين بالاقتصاد الوطني وبمناخ الاستثمار في الأردن، ويؤكد سلامة التوجهات الاقتصادية والإصلاحية التي جرى اعتمادها خلال الفترة الماضية.
وأضاف العلاونة أن استحواذ الدول العربية، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، على الحصة الكبرى من هذه التدفقات يجسد عمق العلاقات الاقتصادية الإقليمية، ويشير إلى فرص واعدة لتعزيز الشراكات الاستثمارية طويلة الأجل، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
وأشار إلى أن تركز الاستثمارات في قطاعات المالية والتأمين، والصناعات التحويلية، والنقل، والعقارات، والتعدين يعكس تنوع القاعدة الاستثمارية في المملكة، إلا أنه يستدعي في المرحلة المقبلة تعزيز التوازن القطاعي وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة، ونقل المعرفة، وتعزيز الابتكار والتكنولوجيا.
وأكد العلاونة أن الحفاظ على هذا الزخم الاستثماري وتطويره يتطلب العمل على مجموعة من المحاور الرئيسية، في مقدمتها تحقيق الاستقرار التشريعي والوضوح في السياسات الاقتصادية، بما يعزز ثقة المستثمرين على المديين المتوسط والطويل، إلى جانب تبسيط الإجراءات وتسريع الموافقات، وتوسيع نطاق الخدمات الحكومية الرقمية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المشاريع الاستراتيجية، إضافة إلى تقديم حوافز نوعية مرتبطة بالتشغيل والتصدير والقيمة المضافة بدلاً من الحوافز التقليدية، وتكثيف الترويج الاستثماري الموجه نحو أسواق واعدة وقطاعات ذات أولوية وطنية.
وشدد العلاونة على أن استدامة تدفق الاستثمارات الأجنبية تتطلب بيئة أعمال تنافسية ومستقرة، مؤكداً استعداد الجمعية للتعاون مع الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية، للمساهمة في صياغة سياسات داعمة للاستثمار، وتحويل هذا النمو إلى نمو اقتصادي حقيقي وشامل ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني والمجتمع ككل.
مخامرة: اتباع إستراتيجيات تشمل تسريع الإصلاحات الاقتصادية
وأكد الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة أن البيانات الصادرة في التقرير الأخير، التي تتطابق مع الإحصاءات الأولية للبنك المركزي الأردني، تعكس مؤشرات إيجابية على التعافي والنمو الاقتصاد الأردني خلال العام الماضي، رغم التحديات الإقليمية التي يواجهها الأردن.
وأشار مخامرة، إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر البالغة 1,525.5 مليون دولار تمثل زيادة ملحوظة بنسبة 27.7 %، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024، مما يعكس ثقة المستثمرين في الاستقرار الاقتصادي والإصلاحات التي تقوم بها الحكومة.
وأضاف أن التوزيع الجغرافي للاستثمارات يركز على الدول العربية بنسبة 62 %، خاصة الخليجية بنسبة 29.4 %، في حين تشكل أوروبا 13.6 %، مما يبرز أهمية الشراكات الإقليمية.
وأوضح أن التوزيع القطاعي للاستثمارات يظهر سيطرة القطاع المالي والتأمين بنسبة 34.4 %، يليه الصناعات التحويلية بنسبة 10.7 %، مع مساهمة استثمارات الأفراد في العقارات بنسبة 13.3 %، وهو دليل على جاذبية السوق العقاري الأردني. وأشار مخامرة إلى أن الحفاظ على استدامة نمو الاستثمارات الأجنبية يتطلب اتباع استراتيجيات متعددة تشمل تسريع الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين المناخ الاستثماري عبر تحديث التشريعات لتتوافق مع التغيرات العالمية، وتعزيز الشراكات الإقليمية خاصة مع دول الخليج.
وأكد أهمية ربط الاستثمارات الأجنبية بأهداف التنمية المستدامة في مجالات الإنتاجية والابتكار، وتقديم خدمات ما بعد الاستثمار لضمان الاحتفاظ بالمستثمرين، مع التركيز على جذب استثمارات عالية الجودة ضمن استراتيجية الترويج للاستثمار 2023-2026 التي تهدف إلى جذب 1.8 مليار دينار أردني.
وأشار إلى أن الخطوات المطلوبة لدعم وتعزيز بيئة الأعمال والاستثمار في الأردن، تشمل تحسين الإطار التنظيمي وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد، وتقديم حوافز استثمارية مثل الإعفاءات الضريبية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشراكات العامة-الخاصة وتطوير البنية التحتية الرقمية لجذب الاستثمارات في القطاعات الناشئة.
وشدد مخامرة على أهمية التركيز على قطاعات عالية النمو مثل الصناعات التحويلية والصناعات عالية القيمة المضافة، وقطاع التعدين بما يشمل الفوسفات والبوتاس والمشتقات، وقطاع السياحة والضيافة مع التركيز على السياحة المستدامة، وقطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والرعاية الصحية والأفلام، إضافة إلى قطاع الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر لدعم التنمية المستدامة وخلق فرص عمل.
ابوحلتم: الأداء الإيجابي يعزز مستويات التفاؤل
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور اياد أبو حلتم "إن الأردن شهد نموا كبيرا وملحوظا في الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى الأردن خلال الثلاثة أرباع الأولى من العام الماضي، ما انعكس إيجابا على معدلات النمو الاقتصادي التي تجاوزت توقعات صندوق النقد الدولي".
وأضاف أبو حلتم أن هذا الأداء الإيجابي يعزز مستويات التفاؤل لدى مختلف القطاعات الاقتصادية، مع توقعات بانتعاش أوسع خلال العام الحالي، مرجحا أن تتجاوز معدلات النمو 3 % خلال العامين الحالي والمقبل.
وأشار إلى أن هيكلية الاستثمار الأجنبي المباشر، أظهرت تنوعا واضحا في القطاعات المستفيدة، شملت المالية والتأمين، والصناعات التحويلية، والعقارات، والتعدين، والصناعات الاستخراجية، والنقل، إلى جانب تنوع مصادر هذه الاستثمارات من دول الخليج والدول العربية والعراق ودول آسيوية والولايات المتحدة ودول أوروبية.
وعزا أبو حلتم هذا النمو إلى حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني التي يتمتع بها الأردن مقارنة بالإقليم، والسياسة النقدية الحصيفة التي ينتهجها البنك المركزي، واستقرار سعر صرف الدينار وربطه بالدولار، إضافة إلى تبني سياسة اقتصاد السوق الحر وسهولة تحويل العملات والأرباح إلى الخارج.
ولفت إلى أن توفر بنية تحتية متطورة في مجالات الاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والنقل، وموانئ حديثة في العقبة، إلى جانب الموقع الجغرافي المميز واتفاقيات التجارة الحرة التي يتمتع بها الأردن مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من دول العالم، منح المستثمرين إمكانية الوصول إلى أسواق واسعة تضم أكثر من مليار مستهلك.
وقال أبو حلتم "إن الحوافز التي يوفرها قانون تنظيم البيئة الاستثمارية، ووجود مدن صناعية وتقنية متكاملة، ساهمت في تعزيز جاذبية الأردن كوجهة استثمارية، متوقعا تسجيل مستويات أعلى من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام الحالي.
وزارة الاستثمار: التواصل مع المستثمرين بمشاريع نوعية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد
من جهتها، أكدت وزارة الاستثمار أنها تتابع تواصلها المباشر مع المستثمرين القائمين والمحتملين لضمان استدامة الاستثمارات القائمة، واستقطاب استثمارات مستقبلية عن طريق تهيئة البيئة التنظيمية والتشريعية الاستثمارية والجاذبية الاستثمارية في الأردن.
وأشارت إلى أنها بصدد طرح حزمة استثمارية تشمل مختلف محافظات الأردن، إضافة إلى تحديث الخريطة الاستثمارية، وتعزيز الفرص المتاحة التي كانت أعلنت عنها سابقاً في مختلف المحافظات، خاصة في القطاعات الاستثمارية ذات القيمة المضافة، بما يساهم في توزيع مكاسب التنمية الاقتصادية، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع نوعية تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وتعزز تنمية المجتمع.
وأشارت الوزارة ردا على استفسارات "الغد"، إلى الانتهاء من الجزء الأكبر من مشروع إعادة هندسة الإجراءات وتبسيط المسارات التي يتعامل معها المستثمر وتعزيز صلاحيات مفوضي الوزارات والمؤسسات العاملين لدى الوزارة، وتسهيل الإجراءات الإدارية والمالية أمام المستثمرين، بما يساهم في رفع كفاءة المحرك الرأسمالي للاقتصاد الوطني.