إصلاحات "الضمان".. هل تتجاوز التعديلات الضيقة؟
الغد-هبة العيساوي
أجمع خبراء في قطاع العمل والحماية الاجتماعية، على أن الإصلاحات المرتقبة لقانون الضمان الاجتماعي، يجب أن تتجاوز التعديلات القانونية الضيقة، وأن ترتكز على سياسات شاملة تعزز الاستدامة المالية للمنظومة، وتحسن جودة الاشتراك وتقوي الحوكمة.
وأكدوا أن التقاعد المبكر، أحد أبرز الضغوط على الصندوق، وأن معالجة هذه الممارسة والسياسات المرتبطة بها، ضرورة لإعادة التوازن بين الإيرادات والنفقات. مشيرين إلى أن توسيع قاعدة الشمول التأميني ليشمل جميع أشكال وأنماط العمل والفئات غير المشمولة، خطوة رئيسة نحو حماية اجتماعية شاملة.
كما شددوا على أهمية حماية الحقوق المكتسبة للمشتركين، وتحسين مستويات الرواتب التقاعدية المتدنية، وربط الإصلاح بسياسات أجور أكثر عدالة. لافتين إلى أن تعزيز استقلالية الصندوق، وضبط أدوات إنهاء الخدمة، ومعالجة التهرب التأميني، وربط الاستثمار بأثر تشغيلي، هي عناصر أساسية لضمان استدامة الضمان على المدى الطويل، بما يحفظ دوره كركيزة للحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.
التوسع بإنهاء الخدمة
وفي هذا الإطار، قال رئيس المركز الأردني لحقوق العمل "بيت العمال" حمادة أبو نجمة، إن "الدراسة الإكتوارية الـ11، تشير إلى ضرورة النظر لمسار الضمان على نحو أوسع من مجرد تعديل القانون، مشددًا على أن نتائج الدراسة، تمثل أدوات إنذار مبكر قابلة للتأثير عبر السياسات العامة، وليس عن طريق حتميات مالية.
وأضاف أبو نجمة، أن التقاعد المبكر، العامل الأكثر تأثيرًا على الضغوط الإكتوارية، نتيجة سياسات التشغيل التي زادت من حجم الإحالات القسرية أو شبه القسرية إلى التقاعد، مؤكدًا أن أي إصلاح لا يرتبط بسياسات التشغيل واستقرار العمل، وتحسين جودة الاشتراك، سيكون محدود الأثر مهما بلغت التعديلات القانونية.
وأوضح أن الضغوط المالية على الصندوق، لا تعود إلى عامل واحد، بل لمجموعة عوامل متداخلة، منها قصر مدد الاشتراك، وتسجيل الأجور دون مستواها الحقيقي، والتهرب التأميني، وضعف فعالية توسعة الشمول، إلى جانب التوسع بإنهاء الخدمة في القطاعين العام والخاص، ما يزيد الضغط على منظومة الضمان.
وأشار أبو نجمة، إلى أن جودة الاشتراك، أهم من زيادة عدد المشتركين فقط، مؤكدًا أن تأخر دخول الشباب إلى سوق العمل والتهرب التأميني الجزئي والكلي، يقلص القاعدة التمويلية للنظام، وأن معالجة هذه التدفقات المفقودة، يمكن أن تحقق أثرًا سريعًا قبل الوصول إلى نقطة التعادل الأولى.
وأضاف بأن توسعة الشمول مع تصميم أدوات اشتراك مرنة للفئات غير المشمولة، ومراجعة أعباء المشتركين اختيارياً، يشكل خطوة مهمة لتعزيز الإيرادات. كما أن شمول العمالة غير الأردنية إذا جرى بامتثال فعلي، يمكنه دعم الإيرادات مع التزامات تقاعدية أقل نسبياً.
وشدد أبو نجمة، على أن العائد الاستثماري للصندوق، داعم للاستدامة وليس بديلاً عن إصلاحات سوق العمل، مؤكداً أهمية ربط جزء من الاستثمار بأثر تشغيلي لتوليد فرص عمل تعزز قاعدة الاشتراك.
وأضاف إن الحوار الوطني حول مستقبل الضمان الاجتماعي، يجب أن يكون شاملاً قادرا على معالجة السياسات التنظيمية والتشغيلية، لا الاقتصار على تعديلات قانونية ضيقة، لضمان استدامة المنظومة وحماية دورها كركيزة للحماية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي في الأردن.
اختلالات بنيوية
من جهته، قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية، أحمد عوض، إن الحوار الوطني يجب أن ينطلق من قراءة واقعية للدراسة الإكتوارية الـ11، التي أكدت استقرار المنظومة على المدى المتوسط، لكنها كشفت عن اختلالات بنيوية قد تهدد استدامتها على المدى الطويل.
وأضاف عوض، أن توسيع الشمول التأميني يجب أن يكون محور الإصلاح، في ظل وجود عدد كبير من العاملين خارج مظلة الضمان، ما يحرمهم من الحماية الأساسية. وأشار إلى أن التقاعد المبكر أصبح السمة الغالبة وليس الاستثناء، ما يزيد الفجوة بين الإيرادات والنفقات، ويضع ضغطًا ماليًا على الصندوق.
وأكد عوض أن الإصلاح يجب أن يربط سياسات التقاعد بسياسات أجور أكثر عدالة، وأن أي تعديل على سن التقاعد يجب أن يكون تدريجيًا، للمشتركين الجدد، مع استثناءات للمهن الشاقة وسياسات داعمة لسوق العمل.
وأكد ضرورة معالجة التهرب التأميني، وتعزيز الحوكمة واستقلالية الضمان، وأهمية الدور التكميلي للموازنة العامة لدعم الفئات الهشة، لضمان منظومة أكثر عدالة واستدامة.
تعزيز الاستدامة المالية
من جانبه، قال خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي، إن الحوار الوطني حول إصلاحات قانون الضمان، يجب أن يرتكز على ستة ثوابت أساسية. مضيفا أن الثابت الأول يتمثل بأن يكون الهدف الرئيس لأي إصلاح، هو تعزيز الاستدامة المالية للصندوق، وتأجيل نقطة التعادل بين الاشتراكات والنفقات بما لا يقل عن سبع سنوات.
وأوضح الصبيحي، أن الثابت الثاني يركز على توسيع قاعدة الشمول، لتشمل جميع أشكال العمل وقطاعات الاقتصاد، لضمان حماية اجتماعية شاملة للجميع، فيما يتمثل الثابت الثالث بمعالجة أي ثغرات في النظام التأميني، لتعزيز العدالة ورفع كفاءة الصندوق.
وأكد أن الثابت الرابع يرتبط بحماية الحقوق المكتسبة للمشتركين الفعّالين، خصوصًا من أمضوا مدد اشتراك محددة، بينما يركز الثابت الخامس على تحسين الرواتب التقاعدية المتدنية، عبر تفعيل المادة (89/أ) لرفع الحد الأدنى للمعاشات. مضيفا بأن الثابت السادس يشدد على استقلالية الصندوق وتعزيز الحوكمة وتوحيد المرجعيات القانونية لضمان ديمومة المنظومة وثقة المشتركين بها.