الغد
تتزايد الضغوط المعيشية على غالبية المواطنين مع استمرار موجات ارتفاع الأسعار المرتبطة بالتوترات الإقليمية، واتساع آثارها الاقتصادية.
ولم يعد من السهل النظر إلى هذه التطورات بوصفها ظرفا عابرا، لأن المؤشرات كلها تدل على أن كلفة الغذاء والطاقة والنقل والخدمات الأساسية مرشحة للبقاءعند مستويات مرتفعة، أو للارتفاع مجددًا، في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة، وهذا يفرض على الحكومة التحرك بهدوء، ولكن بقدر عالٍ من الجدية والسرعة.
جوهر المشكلة لا يكمن فقط في صعود الأسعار، بل في ضعف قدرة الدخول على ملاحقة هذا الصعود، فشريحة واسعة من الموظفين وأصحاب الدخل المحدود تواجه اليوم معادلة صعبة، نفقات أساسية تتزايد باستمرار، مقابل رواتب ثابتة أو محدودة النمو.
ومع اتساع هذه الفجوة، تصبح الأسرة أقل قدرة على تلبية احتياجاتها الضرورية، ويزداد الضغط على أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة والفئات الأكثر هشاشة في الوقت نفسه.
من هنا، تبدو الحاجة واضحة إلى حزمة إجراءات تخفف العبء المباشر عن غالبية المواطنين وتحافظ، في الوقت ذاته، على الحد الأدنى من التوازن الاقتصادي.
وأول هذه الإجراءات يمكن أن يكون تخفيض الضريبة العامة على المبيعات، أو على الأقل إعادة النظر فيها بالنسبة إلى السلع الأساسية التي تمس الحياة اليومية للناس. فهذه الضريبة، وإن كانت موردا مهما للخزينة، تترك أثرا أثقل على أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، لأن الجزء الأكبر من إنفاقهم يذهب أصلا إلى الاحتياجات الأساسية.
وفي السياق نفسه، يبرز ملف الأجور بوصفه أولوية لا ينبغي تأجيلها طويلا. فزيادة الأجور، ضمن حدود مدروسة، لم تعد مجرد مطلب اجتماعي، بل أصبحت أداة ضرورية للحفاظ على القدرة الشرائية ومنع مزيد من التراجع في مستوى المعيشة. والموظف الذي يعجز عن تغطية حاجات أسرته الأساسية لن يكون وحده المتضرر، بل سينعكس ذلك على النشاط الاقتصادي الداخلي وعلى الاستقرار الاجتماعي بصورة أوسع.
كذلك، فإن دعم أسعار السلع الأساسية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، يمثلان جزءا مهما من أي استجابة متوازنة. والمقصود هنا ليس التوسع غير المنضبط في الإنفاق، بل توجيه الدعم بصورة أكثر دقة إلى الفئات الأكثر تضررا، بما يضمن حماية الحد الأدنى من الأمن المعيشي. ففي أوقات الأزمات الممتدة، تصبح الحماية الاجتماعية أداة استقرار، لا مجرد بند إنفاق إضافي.
ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوات ستضع ضغوطا إضافية على المالية العامة، وقد ترفع من مستويات العجز أو الدين العام. لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تُستخدم مبررا للتردد، فالكلفة المالية للتدخل، على أهميتها، قد تبقى أقل من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المترتبة على ترك الأوضاع المعيشية تتدهور.
إذ إن تآكل القدرة الشرائية، واتساع الفقر، وضعف الطلب المحلي، كلها عوامل قد تقود إلى ضغوط أكبر على الاقتصاد والمجتمع معا.
لهذا، فإن المطلوب اليوم هو مقاربة متوازنة ترى في الإنفاق الاجتماعي والضريبي جزءا من حماية الاستقرار العام، لا عبئا منفصلا عنه.
فالتدخل الحكومي في هذه المرحلة لا يجب أن يُفهم بوصفه استجابة مؤقتة فقط، بل باعتباره استثمارا ضروريا في تماسك المجتمع وقدرة الاقتصاد على الصمود. وفي أوقات القلق الإقليمي والمعيشي، تبقى حماية الناس هي السياسة الأكثر حكمة والأعلى جدوى.