أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    12-May-2026

استدامة المرافق العامة*سلامة الدرعاوي

 الغد

في الوقت الذي تضخ فيه الحكومة والقطاع الخاص مئات الملايين في مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة، تتكشف معضلة أكثر تعقيداً من التمويل ذاته، تتمثل في استدامة الاستخدام والحفاظ على المرافق العامة.
 
 
القضية لم تعد مرتبطة فقط ببناء مدرسة أو تطوير متنزه أو إنشاء مرفق صحي، بل بقدرة المجتمع على صيانة هذه الأصول وحمايتها من التدهور السريع الناتج عن سوء الاستخدام وضعف الثقافة العامة المرتبطة بالنظافة والمسؤولية المجتمعية.
حين يتم الإعلان عن إزالة أكثر من ثلاثين ألف طن من المخلفات من محيط سد الملك طلال، فإن الرقم يكشف كلفة اقتصادية مباشرة تتحملها الدولة سنوياً نتيجة غياب السلوك المسؤول. فهذه الكميات الضخمة لا تنتج عن نشاط صناعي ثقيل، بل عن ممارسات فردية مرتبطة بالتنزه والاستخدام العشوائي للمواقع العامة، ما يعني أن جزءاً كبيراً من الإنفاق الحكومي يذهب لمعالجة آثار السلوك المجتمعي بدلاً من توجيه نحو مشاريع تنموية جديدة.
المشهد ذاته يتكرر في المدارس الحكومية، فرغم مبادرات نوعية مثل مبادرة البنوك الأردنية لبناء المدارس ودعم قطاع التعليم، والتي ساهمت في توفير بيئات تعليمية حديثة ومجهزة، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإنشاء فقط، بل في استدامة التشغيل والمحافظة على المرافق.
مستويات الالتزام بالنظافة والمحافظة على الممتلكات داخل بعض المدارس الحكومية ما تزال متدنية، مع استمرار مظاهر العبث بالمرافق الصحية وتخريبها خاصة في مدارس الذكور، ما يرفع كلف الصيانة بشكل متكرر ويستنزف الموازنات التشغيلية.
اقتصادياً، فإن أي أصل عام يفقد جزءا من عمره التشغيلي بسبب سوء الاستخدام يتحول إلى عبء مالي إضافي على الخزينة، فالدولة لا تتحمل فقط كلفة الإنشاء، بل أيضاً كلف الصيانة والإصلاح وإعادة التأهيل، وهي كلف تتضخم سنوياً في قطاعات المدارس والحدائق والمستشفيات والمرافق العامة. وهنا تظهر فجوة أساسية بين الاستثمار الرأسمالي والاستدامة التشغيلية.
الأرقام المرتبطة بقطاع النفايات تعكس حجم التحدي بصورة أوضح. فالمملكة تنتج سنوياً ما يقارب 2.7 مليون طن من النفايات الصلبة البلدية، إلى جانب 2745 طناً من النفايات الطبية، و45 ألف طن من النفايات الصناعية الخطرة.
كما أن 50 % من النفايات البلدية ذات طبيعة عضوية، فيما تشكل المواد البلاستيكية نسباً مرتفعة من إجمالي النفايات. ورغم أن خدمات جمع وإدارة النفايات تغطي نحو 90 % من المناطق الحضرية و70 % من المناطق الريفية، إلا أن الضغوط تتزايد مع النمو السكاني وارتفاع معدلات الاستهلاك.
لكن المشكلة الأساسية لا ترتبط فقط بقدرة المؤسسات على جمع النفايات، بل بثقافة إنتاج النفايات والتعامل معها. فلا يمكن بناء نموذج مستدام لإدارة النفايات دون وجود وعي مجتمعي حقيقي قائم على الفرز والتقليل وإعادة الاستخدام والمحافظة على المرافق العامة. فالدولة تستطيع بناء الأنظمة والتشريعات وتوسيع خدمات الجمع والتدوير، لكنها لا تستطيع وحدها ضبط السلوك الفردي اليومي.
المعضلة هنا تربوية وتنموية أكثر منها خدمية. فالحفاظ على المرافق العامة ليس ملفاً فنياً يخص البلديات أو وزارة البيئة، بل يرتبط بمنظومة القيم والسلوك والتنشئة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. وعندما تتحول الممتلكات العامة إلى مساحة مستباحة للتخريب أو الإهمال، فإن أي خطط تنموية ستواجه استنزافاً مالياً مستمراً، مهما ارتفع حجم الإنفاق أو توسعت المشاريع.
الاقتصاد الحديث لا يُقاس فقط بحجم الإنشاءات، بل بقدرة المجتمع على حماية ما يُبنى. وهذه هي المعادلة التي ما تزال تمثل التحدي الأعمق أمام استدامة الخدمات العامة في الأردن.