تعديلات الملكية العقارية 2026.. إصلاحات تشريعية لتعزيز الاستثمار وتنشيط السوق
الغد-محمود خضر الشبول
يرى خبراء ومستثمرون في القطاع العقاري أن مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026 يشكل خطوة تشريعية مهمة من شأنها تحسين البيئة الاستثمارية وتنشيط حركة السوق العقارية، من خلال معالجة العقبات المرتبطة بإزالة الشيوع وتعدد المالكين، وتنظيم تملك الأشخاص الحكميين، وتطوير أحكام الرهن والتأجير التمويلي، إلى جانب تنظيم وسائل دفع أثمان العقارات، وتوفير بيانات ومؤشرات أكثر دقة عن واقع القطاع.
ويؤكد الخبراء أن أهمية المشروع لا تقتصر على إدخال تعديلات قانونية وإدارية، وإنما تمتد إلى إعادة أراضٍ وعقارات معطلة إلى دائرة التداول والتطوير، وتقليل الوقت والكلفة والمخاطر التي يتحملها المستثمر، بما يعزز الثقة بالسوق ويرفع قدرتها على استقطاب الاستثمارات المحلية والخارجية.
ويأتي المشروع، الذي ستناقشه اللجنة القانونية في مجلس النواب بعد أن نشرت الحكومة أبرز ملامحه، ضمن توجه يستهدف تبسيط إجراءات التسجيل، وتحسين الخدمات العقارية، ومعالجة التحديات التي أثرت في استثمار الملكيات المشتركة، التي بقي بعضها خارج السوق نتيجة تعدد الشركاء أو تعذر اتفاقهم على القسمة أو التصرف. كما يبرز البعد الاقتصادي لهذه التعديلات في ظل ارتباط النشاط العقاري بعدد كبير من القطاعات الاقتصادية، من بينها الإنشاءات والإسكان والتمويل والمكاتب الهندسية ومواد البناء والخدمات المصرفية، ما يعني أن رفع كفاءة المعاملات العقارية سينعكس على سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية وفرص العمل.
تحديث التشريعات وتحسين بيئة الاستثمار
يقول نائب رئيس مجلس إدارة جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان الأردني، المهندس نائل العبداللات، إن مشروع القانون يمثل خطوة مهمة في تحديث التشريعات العقارية، لما يتضمنه من تبسيط ورقمنة للإجراءات، وتسريع معاملات البيع والإفراز وإزالة الشيوع، وتطوير أحكام الرهن والتملك، وتعزيز الشفافية عبر توفير البيانات والمؤشرات.
ويبين العبداللات أن هذه التغييرات يمكن أن تخفض الوقت والكلفة الإدارية، وترفع كفاءة إنجاز المعاملات، إلا أن بعض الأحكام، ولا سيما المتعلقة بتنظيم القطاع العقاري والوعد بالبيع، ما تزال بحاجة إلى مراجعة لضمان وضوح المرجعيات وعدم التداخل مع مشروع قانون تنظيم قطاع الإسكان، انسجاما مع البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي الذي تعامل مع المشروعين بوصفهما مسارين تشريعيين مستقلين ومتكاملين.
من جانبه، يؤكد المستثمر في القطاع العقاري محمد عبد الخالق أن التعديلات المقترحة من شأنها رفع جاذبية الاستثمار، وتسريع حركة التداول، وتقليل النزاعات التي تؤخر عمليات البيع والتطوير، فضلا عن تشجيع المطورين على تنفيذ مشاريع تعطلت نتيجة تعقيدات الملكية.
ويضيف أن الأثر المتوقع قد يمتد إلى تحسين بيئة الأعمال، ورفع كفاءة السوق، وتوفير فرص عمل جديدة، إلا أن تحقيق هذه النتائج يبقى مرتبطا بسرعة إصدار التعليمات التنفيذية ووضوحها، وكفاءة الخدمات الإلكترونية، وتوحيد إجراءات التطبيق بين مديريات التسجيل.
إزالة الشيوع.. معالجة أحد أبرز معوقات الاستثمار
تعد التعديلات المتعلقة بإزالة الشيوع وقسمة العقارات من أبرز البنود ذات الصلة المباشرة بالاستثمار، في ظل وجود أراضٍ وأبنية يتعذر استغلالها بسبب تعدد المالكين أو الخلاف على البيع والقسمة.
ويسمح المشروع بإجراء "قسمة الجمع" للعقارات المتعددة المملوكة على الشيوع للشركاء أنفسهم إذا أبدى مالكو ثلاثة أرباع العقارات رغبتهم بذلك، كما يجيز قسمة العقار المقام عليه بناء بموافقة مالكي ثلاثة أرباعه، بدلا من اشتراط موافقة جميع الشركاء. كما يعزز المشروع دور لجنة إزالة الشيوع في معالجة الطلبات عند رفض بعض الشركاء أو امتناعهم عن إبداء الرأي، ويمنحها صلاحية تعيين خبراء لتقدير الحصص عند تعذر الاتفاق، مع إخضاع قراراتها للطعن أمام المحكمة خلال ثلاثين يوما، بما يحقق التوازن بين تسريع إجراءات القسمة وحماية حقوق المالكين.
ويرى العبداللات أن اعتماد موافقة مالكي ثلاثة أرباع العقار سيحد من تعطيل المشاريع بسبب اعتراض نسبة محدودة من المالكين، ويزيد من المعروض من الأراضي القابلة للتطوير، ويسرع تنفيذ المشاريع السكنية، شريطة المحافظة على الحقوق القانونية والمالية لبقية الشركاء.
بدوره، يؤكد عبد الخالق أن نجاح هذا التعديل يتطلب تقييم العقارات من جهات محايدة ومعتمدة، وضمان حصول جميع الشركاء على القيمة العادلة لحصصهم، مع إتاحة حق الاعتراض والطعن ضمن مدد زمنية واضحة، حتى لا تأتي سرعة الإجراءات على حساب حماية الملكية الفردية.
وحدة متخصصة لدراسة السوق وتعزيز الشفافية
ومن أبرز التعديلات ذات البعد الاقتصادي؛ إنشاء وحدة متخصصة لدراسة السوق العقارية وإصدار التقارير والبيانات المتعلقة بها، بهدف تشجيع الاستثمار، والمحافظة على استقرار السوق، وحماية المستهلك. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل حاجة المستثمرين إلى بيانات تتجاوز الأرقام الإجمالية للتداول، لتشمل اتجاهات الأسعار، والعرض والطلب، وتوزيع المبيعات، وحركة الرهون، وأنواع العقارات الأكثر نشاطا.
ويرى عبد الخالق أن توفير قاعدة بيانات محدثة ونشر مؤشرات دورية عن الأسعار والمعاملات يعززان الشفافية، ويساعدان المستثمر والمواطن على اتخاذ قرارات أكثر دقة، بدلا من الاعتماد على تقديرات متفاوتة أو أسعار معلنة لا تعكس دائما القيمة الفعلية للصفقات.
ويتضمن المشروع تنظيم تملك الأشخاص الحكميين، ويعيد تنظيم تملك الأشخاص الحكميين الأردنيين وغير الأردنيين داخل مناطق التنظيم وخارجها، وفق صلاحيات ترتبط بمساحة العقار وطبيعة استخدامه، كما يسمح بتعديل غاية التملك إلى غاية أخرى ضمن الغايات القانونية، بعد تسديد الغرامات المستحقة، مع إلزام المالك بإنجاز المشروع خلال المدة التي حددها القانون.
ويقول النقيب السابق لنقابة المكاتب والشركات العقارية، المهندس محمد نور الطه، إن المشروع ينظم تملك العقارات من قبل الجهات الاعتبارية، بما فيها الجمعيات التعاونية، والمؤسسات الخيرية، والأندية الرياضية، والأحزاب، ضمن إطار قانوني أكثر وضوحا يتيح لها ممارسة أنشطتها ويحدد الجهات المختصة بمنح الموافقات.
ويرى العبداللات أن وضوح إجراءات التملك وتحديد الجهات صاحبة الصلاحية من شأنه تعزيز ثقة المستثمرين ورفع كفاءة إدارة الأصول، إلا أن الأثر الفعلي للنصوص سيظل محدودا ما لم يقترن باستقرار تشريعي، وسرعة في منح الموافقات، ووضوح في المرجعيات التنظيمية.
توسع في خيارات التمويل وتطوير أحكام الرهن
وتشمل التعديلات أيضا أحكاما خاصة بالتأجير التمويلي؛ إذ تسمح للشخص الحكمي المرخص له بممارسة هذا النشاط بتملك العقارات داخل مناطق التنظيم وخارجها عندما يكون التملك لغايات التأجير التمويلي حصرا. كما يجيز المشروع للدائن غير الأردني أو الشخص الحكمي دخول المزاد العلني وشراء العقار المرهون من دون الحصول على إذن مسبق، شريطة بيعه خلال أربع سنوات، مع فرض غرامة بنسبة 2 % عن كل سنة أو جزء منها بعد انقضاء هذه المدة، وبحد أقصى خمس سنوات، ما لم يحصل على إذن بالتملك.
ويقول عبد الخالق إن هذه التعديلات قد توسع خيارات التمويل، وتمنح الشركات مرونة أكبر، وتعزز ثقة البنوك والجهات الممولة بالضمانات العقارية، لكنه يحذر في الوقت ذاته من احتمال ترتب كلف إضافية مرتبطة بالتقييم والتسجيل والامتثال، الأمر الذي يستدعي تبسيط الإجراءات وعدم تحميل المستثمر أعباء جديدة.
تنظيم وسائل الدفع وتعزيز توثيق الصفقات
ويتجه المشروع، كذلك، إلى تنظيم وسائل دفع أثمان العقارات، من خلال تحديد سقف للمبالغ التي يجوز دفعها نقدا، واعتماد الشيكات المصدقة أو وسائل الدفع الإلكتروني للمبالغ التي تتجاوز ذلك، بما يعزز توثيق الصفقات، ويقلل النزاعات، ويرفع مستوى الشفافية في السوق العقارية.
ضمانات أكبر في قضايا الاستملاك
ويتضمن المشروع تعديلات على أحكام الاستملاك، من أبرزها تعزيز رقابة المحكمة على تقارير الخبرة لضمان عدالة التقدير، واستحقاق فائدة سنوية مقدارها 5 % إذا لم يُدفع التعويض أو يودع لحساب المالك خلال ثلاثين يوما من اكتساب الحكم الدرجة القطعية أو الاتفاق على التعويض.
ويرى الطه أن هذه الضمانات تعزز حماية المالكين وترفع الثقة بالإجراءات الحكومية، إلى جانب ما يوفره المشروع من فرص لتنشيط حركة التداول، وتحديث المعاملات، وتوسيع خيارات التمويل. ويؤكد أن الأثر الاقتصادي لهذه التعديلات قد يمتد إلى تحفيز قطاع الإنشاءات والصناعات والخدمات المرتبطة به، إلا أن الوصول إلى هذه النتائج يتطلب تطبيقا موحدا وسريعا، وربطا إلكترونيا بين الجهات المعنية، وتوفير معلومات واضحة للمستثمر منذ بدء المعاملة وحتى تسجيل العقار.
ويضيف أن استكمال التحول الرقمي في الخدمات العقارية، من خلال اعتماد التوقيع الإلكتروني، وإتمام عمليات البيع والتسجيل والدفع إلكترونيا، من شأنه تقليص مدة إنجاز المعاملات، والحد من الإجراءات الورقية، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز الشفافية.
نجاح التعديلات مرهون بحسن التطبيق
ويجمع الخبراء على أن التعديلات المقترحة توفر أدوات لمعالجة اختلالات عطلت الانتفاع بعقارات ورفعت كلفة الاستثمار، إلا أن نجاحها سيقاس بقدرتها الفعلية على تقليص مدة إنجاز المعاملات، وإدخال الأصول المجمدة إلى السوق، وتحسين الوصول إلى التمويل، وتوفير بيانات موثوقة، مع ضمان ألا تأتي سرعة الإجراءات على حساب حقوق الشركاء والمالكين.